Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مجموع

إنقاذ ما يمكن إنقاذه … نحو مؤتمر قومي كوردي وبناء مرجعية وطنية جامعة

مشاركة

في ظل حالة التخبط السياسي، وضياع العديد من الفرص التاريخية، وتشتّت الأحزاب والقوى السياسية والحركية الكوردية، وتعدد المرجعيات، وتباين الخطابات، وغياب رؤية سياسية واضحة وموحّدة، بات من الضروري، بل من الملحّ، أن نطرح سؤالاً مصيرياً بكل صراحة ومسؤولية:إلى متى سيبقى الشعب الكوردي بلا مرجعية سياسية وطنية جامعة تعبّر عن إرادته، وتصون مصالحه، وتدافع عن حقوقه المشروعة؟

إن استمرار حالة الانقسام والتشرذم، وغياب التنسيق بين القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، وتغليب الحسابات الحزبية والتنظيمية والمصالح الضيقة على المصلحة القومية العليا، لا يخدم القضية الكوردية، بل يضعف موقعها السياسي، ويبدّد جزءاً من طاقتها، ويمنح الآخرين مساحة أوسع للتأثير في القرار الكوردي وفي مستقبل القضية.لقد أثبتت التجارب الماضية أن غياب الرؤية المشتركة لا يؤدي فقط إلى تعدد المواقف، بل يتحول مع مرور الوقت إلى مصدر ضعف سياسي واستراتيجي.

فالقوة العددية والشعبية والتاريخية لا تكفي وحدها ما لم ترافقها مؤسسات سياسية قادرة على تحويل هذه القوة إلى مشروع، والمشروع إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى قرار وموقف وتأثير.ومن هنا، فإن عقد مؤتمر قومي كوردي شامل لم يعد ترفاً سياسياً أو شعاراً مؤجلاً، وإنما أصبح ضرورة تاريخية ووطنية ومسؤولية جماعية تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة وتعقيداتها والتحولات المتسارعة في المنطقة.

إن المطلوب هو مؤتمر حقيقي يجمع مختلف القوى والأحزاب والتيارات السياسية، والشخصيات الوطنية المستقلة، والمثقفين والأكاديميين، وممثلي المجتمع المدني، والمرأة والشباب، والكفاءات والفعاليات الاجتماعية والثقافية، على قاعدة الحوار والشراكة والاحترام المتبادل، بعيداً عن الإقصاء والتخوين واحتكار التمثيل.

ولا ينبغي أن يكون الهدف من هذا المؤتمر إنشاء حزب جديد، أو تكريس هيمنة طرف على بقية الأطراف، أو إلغاء التعددية السياسية والفكرية، وإنما إعادة بناء البيت الكوردي على أسس وطنية وديمقراطية وتشاركية، ووضع حد لحالة التشتت السياسي والخطابي، والانتقال من ردود الأفعال والمواقف المتفرقة إلى مشروع سياسي كوردي واضح وواقعي وقابل للحياة.

وينبغي أن يخرج المؤتمر، قبل كل شيء، برؤية سياسية مشتركة تحدد الثوابت والمصالح القومية العليا للشعب الكوردي، وتضع آليات واضحة لإدارة الخلافات، وتوحّد الخطاب في القضايا المصيرية، وتحدد الأولويات، وتبني استراتيجية مشتركة للتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، بحيث لا يبقى القرار الكوردي رهينة المبادرات الفردية أو الحسابات الحزبية أو الارتباطات التي قد تتعارض مع المصلحة الوطنية الكوردية.والأهم من ذلك أن يفضي المؤتمر إلى بناء مرجعية كوردية وطنية جامعة تتمتع بالشرعية السياسية والأخلاقية والكفاءة، وتكون قادرة على التعبير عن الإرادة الكوردية المشتركة، والدفاع عن المصالح العليا للشعب الكوردي، ومتابعة تنفيذ القرارات والتوافقات الوطنية، ضمن آليات واضحة للمساءلة والمراجعة والتقييم.

فالمرحلة الراهنة لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات، ولا إلى مؤتمرات شكلية تنتهي ببيانات عامة، وإنما تحتاج إلى قرار سياسي شجاع، وإرادة حقيقية، ومؤسسات وطنية، وآليات ديمقراطية، وقيادات تمتلك الكفاءة والمسؤولية، وتخضع للمساءلة أمام الشعب.

كما أن بناء المرجعية الوطنية لا يعني إلغاء التعددية أو فرض رأي سياسي واحد؛ فالتعددية مصدر قوة عندما تُدار ضمن إطار وطني جامع. المطلوب هو الاتفاق على الثوابت والمصالح العليا، مع إبقاء مساحة الاختلاف السياسي والفكري مفتوحة في القضايا التي لا تمس جوهر القضية وحقوق الشعب الكوردي.

إن القضية الكوردية تمتلك اليوم، رغم كل الصعوبات، رصيداً تاريخياً وشعبياً وثقافياً وسياسياً كبيراً، كما تمتلك طاقات بشرية وكفاءات قادرة على الإسهام في صناعة مستقبل أفضل. غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب أولاً أن نمتلك القدرة على تنظيم قوتنا، وتوحيد رؤيتنا، وترتيب أولوياتنا، وبناء مؤسسات تمثيلية تحظى بالثقة والشرعية.

لقد أُهدرت فرص كثيرة، ودُفعت أثمان باهظة، ولم يعد من المقبول تكرار الأخطاء نفسها بالأساليب نفسها، بينما تتغير المنطقة من حولنا بصورة متسارعة.

ولذلك فإن المرحلة تتطلب شجاعة سياسية حقيقية للاعتراف بأخطاء الماضي، وإجراء مراجعة نقدية هادئة ومسؤولة للتجربة الكوردية، ووضع المصلحة القومية فوق المصالح الحزبية والتنظيمية والشخصية.ومن الضروري أن تقوم المرحلة الجديدة على الشراكة، والشفافية، والنقد والنقد الذاتي، والمساءلة، واحترام التعددية، واستقلالية القرار الوطني، ورفض التبعية والوصاية من أي جهة كانت.

إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ركائز القضية الكوردية يبدأ من إنقاذ البيت الكوردي نفسه، وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمع، وإعادة الاعتبار لصوت المواطن الكوردي باعتباره صاحب المصلحة الأولى في تحديد مستقبل قضيته.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى مؤتمر قومي كوردي شامل ليست دعوة ضد حزب أو تنظيم أو شخصية، وليست محاولة لإلغاء أحد، وإنما هي دعوة إلى إعادة الاعتبار للإرادة الكوردية الجامعة، وبناء إطار سياسي وطني قادر على حماية المكتسبات، وتصحيح المسار، واستعادة المبادرة، وتحويل التضحيات الطويلة إلى مشروع سياسي واضح المعالم.

لم يعد أمامنا ترف إضاعة المزيد من الوقت؛ فالمرحلة تفرض علينا أن ننتقل من تعدد المواقف إلى وحدة الرؤية، ومن التشتت إلى التنظيم، ومن ردّ الفعل إلى المبادرة، ومن الشخصنة إلى المؤسسات، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة القرار.

فإما أن نمتلك الشجاعة لبناء مرجعية كوردية وطنية جامعة، قادرة على قيادة المرحلة بمسؤولية وكفاءة وشرعية، وإما أن نبقى أسرى الانقسام والتشتت، ونواصل دفع ثمن غياب الرؤية والقرار الموحد.

والتاريخ لن يسألنا فقط عمّا قدمناه من تضحيات، بل سيسألنا أيضاً: هل امتلكنا في اللحظة الحاسمة شجاعة توحيد صفوفنا وبناء مشروع سياسي يليق بتضحيات شعبنا وطموحاته؟

خالد حسو أغسطس/آب 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى