من أكثر المفارقات إيلامًا أن نرى شعوبًا تدافع عن تاريخها وحضاراتها الممتدة لآلاف السنين، وتحافظ على آثارها وذاكرتها، حتى عندما تعود تلك الحضارات إلى مراحل سبقت الأديان التي تدين بها اليوم.
وفي المقابل، نجد بعض الكورد، ويا للأسف، يتعاملون مع بعض صفحات تاريخهم القديم من خلال معتقدهم الديني الراهن، وكأن ما سبق هذا المعتقد ينبغي أن يُنسى أو يُبرَّر أو حتى يُدان.
وهنا تكمن المشكلة في طريقة النظر إلى التاريخ.خذوا المصريين مثالًا. فالمصري المعاصر يعتز بالحضارة المصرية القديمة، ويحافظ على آثارها ويقدمها للعالم باعتبارها جزءًا أصيلًا من تاريخه وهويته، رغم أن تلك الحضارة سبقت الإسلام بآلاف السنين، وكانت لها منظومتها الدينية والثقافية الخاصة.
ولم يكن الاعتزاز بها يعني أن المصري المعاصر يتبنى معتقدات أجداده، بل يعني ببساطة أنه يدرك أن التاريخ لا يُقاس بعقيدة الإنسان الحالية، وأن الحضارة لا تُمحى لأن أصحابها عاشوا في زمن مختلف.
ومن هنا يحق لنا أن نسأل:لماذا يُطلب من الكوردي، وحده، أن ينظر إلى تاريخه القديم من خلال معتقده الديني الحالي؟
ولماذا يتحول اختلافه مع معتقدات أجداده إلى سبب للتنصل من تاريخهم أو حتى مهاجمته؟الكورد لم يبدأ تاريخهم مع الإسلام، ولن ينتهي تاريخهم عند الإسلام.لقد عاش أسلاف الكورد عبر مراحل تاريخية وحضارية متعاقبة، وعرفت المجتمعات التي عاشوا فيها معتقدات وثقافات وتقاليد متعددة، قبل الإسلام وبعده.
وهذا التراكم التاريخي، بكل ما فيه من تحولات وتعقيدات، يشكل جزءًا من الذاكرة التاريخية التي لا يجوز اختزالها في مرحلة واحدة.وهذا التاريخ ليس عيبًا ينبغي إخفاؤه، ولا خطيئة ينبغي الاعتذار عنها.أن يكون الإنسان مسلمًا أو إيزيديًا أو مسيحيًا أو من أي معتقد آخر، فهذا حقه الكامل، ومن حق كل إنسان أن يعتز بإيمانه ويحترم عقيدته.
لكن الإيمان بعقيدة معينة لا يمنح الإنسان الحق في إعادة كتابة التاريخ وفقًا لها، ولا يجعل من الماضي المختلف دينيًا شيئًا ينبغي محوه من الذاكرة.
الإيمان شأن روحي، أما التاريخ فهو ذاكرة جماعية.والخلط بين الاثنين يؤدي إلى مشكلة خطيرة: أن يتحول الدين من مصدر للإيمان والقيم إلى معيار يُستخدم لفرز التاريخ؛ فنقبل ما ينسجم مع معتقداتنا الحالية، ونرفض ما سبقها أو اختلف معها.وبهذه العقلية لا نحمي الدين، بل نخسر التاريخ.فالشعوب العريقة لا تمحو صفحات من تاريخها لأنها لم تعد تؤمن بمعتقداتها القديمة.
إنها تدرسها وتحافظ على آثارها وتضعها في سياقها التاريخي، لأنها تعرف أن فهم الماضي لا يعني العودة إليه.اليوناني لا يحتاج إلى الإيمان بآلهة اليونان القديمة كي يعتز بإرثه الحضاري، والمصري لا يحتاج إلى اعتناق معتقدات المصريين القدماء كي يحافظ على تراثهم، وشعوب كثيرة في العالم تنظر إلى ماضيها باعتباره جزءًا من ذاكرتها الوطنية والإنسانية، لا باعتباره عقيدة يجب استعادتها.
فلماذا يكون الكوردي هو الاستثناء؟ولماذا يشعر بعضنا بالحرج عندما يتحدث عن معتقدات أجداده القديمة، بينما يفتخر بلغته وأرضه وتراثه وكل ما وصل إليه من الماضي؟
إن دراسة معتقدات الأجداد لا تعني اعتناقها، كما أن احترام آثارهم لا يعني العودة إلى حياتهم، والاعتراف بتاريخهم لا يعني الموافقة على كل ما كانوا يؤمنون به.بل إن الإنسان الذي يمتلك ثقة حقيقية بهويته لا يخاف من تاريخها.
يمكن للكوردي المسلم أن يكون مسلمًا بكل اعتزاز، وأن يفتخر في الوقت نفسه بكل مرحلة من مراحل تاريخ شعبه، بما فيها المراحل التي سبقت الإسلام. ويمكن للكوردي الإيزيدي أو المسيحي أو غيره أن يعتز بعقيدته، دون أن يرى في تاريخ الآخرين تهديدًا لهويته أو إيمانه.
فالهوية لا تصبح أقوى عندما نمحو أجزاءً من ذاكرتنا، وإنما تصبح أعمق عندما نعرفها كاملة.نحن الكورد لسنا أبناء قرن واحد، ولا أبناء دين واحد، ولا أبناء مرحلة سياسية واحدة.
نحن أبناء تاريخ طويل ومعقد ومتعدد الطبقات، تشكل عبر آلاف السنين، وتداخلت فيه الحضارات والثقافات والمعتقدات والتحولات الاجتماعية والسياسية.
ومن حقنا أن نعرف هذا التاريخ كاملًا، وأن ندرسه بموضوعية، وأن نحافظ على آثاره ووثائقه وذاكرته، وأن نختلف مع معتقدات الماضي دون أن نكره أصحابها أو نمحو وجودهم من ذاكرتنا.
فاحترام تاريخ الأجداد لا يعني تبني معتقداتهم، كما أن الاعتزاز بالحضارات القديمة لا يعني العودة إلى أديانها.التاريخ لا يطلب منا أن نؤمن به؛ بل يطلب منا فقط ألا نمحوه.
والمؤلم حقًا ليس أن يختلف الإنسان مع معتقد أجداده، فهذا أمر طبيعي في مسيرة البشرية، وإنما أن يتحول هذا الاختلاف إلى كراهية للماضي، أو إلى محاولة لاقتلاع صفحات من تاريخ شعب كامل لأنها لا تتطابق مع معتقد الإنسان الحالي.إن الأمة التي تعرف تاريخها بكل مراحله تكون أكثر قدرة على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها.
أما الأمة التي تختار من تاريخها ما يناسب حاضرها، وتمحو ما لا يناسبه، فإنها لا تحمي هويتها، بل تبنيها على ذاكرة ناقصة.لذلك، فإن قضيتنا ليست العودة إلى الماضي، ولا إحياء معتقداته، وإنما استعادة حقنا في معرفة الماضي كله؛ دون تقديس، ودون تشويه، ودون خوف.
نحن لا نحتاج إلى أن نعتنق معتقدات أجدادنا كي نحترمهم، ولا نحتاج إلى أن نتفق مع أفكارهم كي نعترف بأنهم كانوا جزءًا من تاريخنا.نحن الكورد أحفاد تاريخٍ كامل… لا أحفاد مرحلة واحدة.
خالد حسو باحث في القانون والعلوم السياسيةخريج كلية الحقوق – براغ




