بقلم: شفان الخابوري
في صفحات التاريخ الإنساني محطات مضيئة لا يجوز أن تُنسى، وتجارب نضالية لا يحق لأحد أن ينكرها أو يتجاوزها مهما تغيرت الظروف السياسية وتبدلت موازين القوى.
ومن بين تلك التجارب الخالدة تبرز تجربة المرأة الفيتنامية وتجربة المرأة الكردية في روج آفا، باعتبارهما نموذجين استثنائيين للشجاعة والصمود والإيمان بالحرية.
إن خيط الشجاعة الذي ربط بين نساء فيتنام ونساء روج آفا لم يكن وليد الصدفة، بل هو خيط نسجته المعاناة المشتركة والإرادة التي لا تنكسر.
ففي كلا التجربتين وقفت المرأة في الصفوف الأمامية للدفاع عن شعبها وأرضها وكرامتها، ولم تكتفِ بدور الضحية أو المتفرج، بل تحولت إلى شريك حقيقي في صناعة التاريخ.
لقد أثبتت المرأة الفيتنامية خلال سنوات الحرب الطويلة أن إرادة الشعوب أقوى من الجيوش والأسلحة، وقدمت تضحيات عظيمة أصبحت جزءاً من الذاكرة الإنسانية.
وعلى النهج ذاته، برزت المرأة الكردية في روج آفا كأحد أهم رموز المقاومة في القرن الحادي والعشرين، عندما واجهت الإرهاب والتطرف ودافعت عن قيم الحرية والتعايش والديمقراطية في أصعب الظروف.
لم يكن نضال المرأة الكردية دفاعاً عن شعبها فحسب، بل كان دفاعاً عن الإنسانية جمعاء في مواجهة قوى الظلام والتعصب. ولهذا فإن ما قدمته نساء روج آفا لا يخص الكرد وحدهم، بل يمثل إرثاً إنسانياً عالمياً يجب أن يُدرَّس للأجيال القادمة، وأن يحظى بالمكانة التي يستحقها في كتب التاريخ والجامعات ومراكز الدراسات.
إن أكبر ظلم يمكن أن تتعرض له هذه التضحيات هو النسيان أو الإنكار.
فالتاريخ العادل لا يُكتب وفق المصالح السياسية الآنية، بل يُكتب بدماء الذين ضحوا من أجل الحرية والكرامة.
ومن هنا فإن واجب المثقفين والمؤرخين والباحثين والمؤسسات الدولية أن يحافظوا على ذاكرة هذه التجارب وأن ينقلوها للأجيال المقبلة كما هي، بعيداً عن التهميش أو التشويه.وأرى أن العالم مدعو اليوم إلى تكريم نضال المرأة الكردية بما يليق بحجم ما قدمته للبشرية.
فكما خُلِّدت شخصيات وأحداث تاريخية كبرى في ساحات وعواصم العالم، فإن المرأة الكردية تستحق أن يكون لها تمثال أو نصب تذكاري في عواصم العالم الحرة، تخليداً لتضحياتها ورسالةً للأجيال بأن الحرية والكرامة تحتاجان دائماً إلى من يدافع عنهما.إن التماثيل ليست مجرد أحجار أو معادن، بل هي اعتراف أخلاقي وإنساني بقيمة من صنعوا التاريخ.
والمرأة الكردية، التي وقفت في مواجهة الإرهاب وقدمت آلاف الشهيدات والجرحى دفاعاً عن الإنسانية، تستحق هذا الاعتراف وأكثر.
من فيتنام إلى روج آفا يمتد خيط واحد من الشجاعة والكرامة والإيمان بالحرية. وسيبقى هذا الخيط حياً في ذاكرة الشعوب مهما حاول البعض تجاهله أو إنكاره، لأن التاريخ الحقيقي لا يُمحى، ولأن تضحيات النساء اللواتي صنعن المجد لشعوبهن ستبقى منارات تهدي الأجيال القادمة نحو مستقبل أكثر عدلاً وحرية.




