مجموع

مؤتمر كردي في الجمعية الوطنية الفرنسية: استبعاد الكرد يفرغ أي تسوية شرق أوسطية من مضمونها الاستراتيجي

مشاركة

آفرين علو ـ xeber24.net

احتضنت الجمعية الوطنية الفرنسية مؤتمراً سياسياً رفيع المستوى خُصص لمناقشة الموقع الجيوسياسي للكرد وآفاق حضورهم في معادلات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث خلص المشاركون إلى أن أي مقاربة إقليمية تتجاوز المسألة الكردية محكومة بالفشل البنيوي.

وجرى تنظيم المؤتمر بمبادرة مشتركة من المجلس الديمقراطي الكردي في فرنسا ومجموعة العمل المعنية بالشأن الكردي داخل البرلمان الفرنسي، وبمشاركة شخصيات سياسية وأكاديمية وبرلمانية، ضمن جلستين رئيسيتين تناولتا: الدور الكردي في التحولات الإقليمية، ومسؤولية فرنسا الدبلوماسية والأخلاقية تجاه القضية الكردية.

في الجلسة الأولى، المعنونة “دور الكرد في إعادة بناء الشرق الأوسط: أربعة أجزاء، أربع ساحات، شعب واحد”، شارك عدد من القيادات الكردية، من بينهم الرئيس المشترك لـ حزب المساواة وديمقراطية الشعوب ، تونجر باكيرهان، الذي استعرض الإرث التاريخي لسياسات الإنكار والإقصاء التي تعرض لها الكرد طوال القرن العشرين، معتبراً أن النظام الإقليمي الذي تكرّس عقب اتفاقية سايكس – بيكو أنتج اختلالات عميقة على حساب الحقوق القومية الكردية.

وأشار باكيرهان إلى أن الكرد، رغم عقود التهميش، استطاعوا عبر الفعل السياسي والمقاومة المجتمعية الحفاظ على وجودهم، بل والتحول تدريجياً إلى فاعل وازن في المعادلات الإقليمية. وشدد على أن أي مشروع لإعادة هندسة الشرق الأوسط لن يكتسب قابلية الاستمرار ما لم يتضمن معالجة عادلة وديمقراطية للمسألة الكردية.من جهته، تناول السياسي الكردي سيامند معيني التطورات في إيران، مشيراً إلى استمرار الضغوط الأمنية والإعدامات والاعتقالات في شرق كردستان، إلا أنه أكد أن انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” أطلقت ديناميات سياسية جديدة داخل المجتمع الكردي.وأوضح أن هذا الحراك أسهم في رفع مستويات الوعي والتنظيم السياسي، ورسّخ حضور الكرد بوصفهم قوة اجتماعية تمتلك قدرة متنامية على التأثير في صياغة مستقبلها السياسي.

أما بليسا جبار فرمان، فتناول واقع إقليم كردستان ، واصفاً إياه بأنه كيان اتحادي يمارس عملياً وظائف الدولة، رغم عدم اكتمال مقومات السيادة القانونية التقليدية.

وأشار إلى أن الإقليم ينتهج سياسة تقوم على الاستقرار والتوازن مع دول الجوار، إلا أن التوترات الإقليمية المستمرة والهجمات العابرة للحدود ما زالت تشكل تهديداً مباشراً لمنجزاته السياسية والأمنية والتنموية.

وفي مداخلته، تحدث فؤاد عمر عن تجربة روجافا (شمال وشرق سوريا)، معتبراً أن الكرد الذين تعرضوا لعقود من التهميش نجحوا في بناء نموذج سياسي جديد قائم على الإدارة الذاتية، والتعددية المجتمعية، والمساواة بين الجنسين.

وانتقد عمر ما وصفه بازدواجية المواقف الغربية تجاه التهديدات التي تستهدف التجربة السياسية في المنطقة، مؤكداً أن الكرد مستمرون في التعاون مع سائر المكونات السورية من أجل بلورة عقد اجتماعي ديمقراطي جامع.في الجلسة الثانية، عرض عدد من النواب الفرنسيين رؤيتهم لدور باريس تجاه القضية الكردية، ومن بينهم توماس بورت، دانييل سيمونيه، آنا بيك، وجان بول لوكوك.

وأكد النائب توماس بورت أن فرنسا تتحمل مسؤولية مزدوجة: الأولى داخلية تتعلق بضمان أمن وحقوق الكرد المقيمين على أراضيها، والثانية خارجية ترتبط ببلورة سياسة دولية أكثر اتساقاً وفاعلية تجاه الملف الكردي.

كما دعا إلى التحرر من القيود المرتبطة بالاعتبارات الأطلسية والتحالفات التقليدية، والانطلاق من مقاربة تستند إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان.

بدورها، شددت دانييل سيمونيه على أن القضية الكردية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أزمة منفصلة، بل باعتبارها أحد المفاتيح المركزية لإعادة إنتاج الاستقرار في الشرق الأوسط.ودعت فرنسا إلى الاضطلاع بدور دبلوماسي أكثر حضوراً في مسارات التفاوض، ولا سيما في الملف السوري، مع ضرورة صون المكتسبات الديمقراطية وحقوق المرأة في المناطق الكردية.

أما آنا بيك، فطالبت ببحث إمكانية إرساء نظام حماية دولية لمناطق روجافا، على غرار النماذج الدولية التي اعتُمدت سابقاً في إقليم كردستان العراق.

في حين أكد جان بول لوكوك أن نضال الشعب الكردي يمثل نضالاً من أجل الكرامة والوجود السياسي، داعياً إلى منح القضية الكردية مساحة أوسع على أجندة الأمم المتحدة والمحافل الدولية.

وسجل المشاركون انتقاداً واضحاً لما وصفوه بالتباين بين الإرث التاريخي للتضامن الفرنسي مع الكرد وبين محدودية السياسات الراهنة، معتبرين أن باريس لا تزال تميل إلى الخطاب المبدئي أكثر من الانتقال إلى أدوات التأثير العملي.

واختُتم المؤتمر بالتأكيد على أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط بصورة مستقرة وعادلة تقتضي الاعتراف بالكرد كشريك سياسي أصيل، لا كملف هامشي، وأن أي تسوية تتجاهلهم ستظل تسوية ناقصة، هشة، وعرضة لإعادة إنتاج الأزمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى