خالد حسو
إنّ الحكم على الأفراد والفاعلين في السياقين الاجتماعي والسياسي لا ينبغي أن يُبنى على المواقف الآنية أو التحالفات المؤقتة، بل على معيار أعمق يتمثل في مدى ثبات المبدأ واستقرار القيم عبر الزمن.
فالشخصية التي تحمل بعدًا أخلاقيًا واضحًا تُقاس بقدرتها على الالتزام بما تؤمن به، حتى في ظل تغيّر الظروف وتبدّل المواقع والضغوط.وعليه، فإن تقدير الأشخاص ذوي الاستقامة لا يرتبط بمواقف ظرفية أو خلافات عابرة، بل يتأسس
على فهم طبيعة السلوك المستقر الذي لا يتغير بتغير المكاسب. فالثبات على المبدأ يمنح العلاقات السياسية والاجتماعية معناها الحقيقي، ويجعلها قائمة على قدر من الثقة والاستمرارية.
في المقابل، تُظهر التجارب أن بعض الفاعلين قد يجعلون من المصلحة معيارًا متحركًا، فتتبدل مواقفهم وفقًا لتغير الظروف والفرص، أكثر من ارتباطها بقناعة راسخة أو رؤية ثابتة. وهذا النمط من السلوك يجعل العلاقات خاضعة لحسابات آنية، ويضعف من إمكانية بناء التزام طويل الأمد.
وعند النظر إلى السياق السياسي الكوردي، يتضح أن العلاقة بين المبدأ والمصلحة تتخذ طابعًا معقدًا، نتيجة طبيعة البيئة السياسية التي تحكمها توازنات إقليمية ودولية شديدة الحساسية.
فقد أفرزت هذه البيئة مسارات متعددة للفاعلين السياسيين، اختلفت في كيفية التعامل مع الثوابت الوطنية والتطلعات القومية، مقابل ضرورات الواقع ومتطلبات إدارة التوازنات.
وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة تباين في المقاربات السياسية؛ إذ اتجهت بعض الأطراف نحو قدر أكبر من المرونة والتكيف مع المتغيرات، بينما حاولت أطراف أخرى الحفاظ على مستوى أعلى من الالتزام بالثوابت.
وهذا التباين لا يمكن اختزاله في حكم قيمي مباشر، بقدر ما يعكس طبيعة المشهد وتعقيداته، وإن كان يفتح في الوقت ذاته نقاشًا مشروعًا حول حدود التوازن بين الواقعية السياسية من جهة، والالتزام بالمبدأ من جهة أخرى، وانعكاس ذلك على مسار الثقة والاستقرار السياسي.
ومن هنا، فإن القراءة الموضوعية للسلوك السياسي أو الاجتماعي تقتضي التمييز بين من تحكمه منظومة قيم ثابتة، ومن تحركه اعتبارات نفعية متغيرة، سواء في السياق العام أو في الحالة الكوردية على وجه الخصوص.
فاستقرار العلاقات وصدق المواقف لا يتحققان بالشعارات، بل بمدى اتساق الفعل مع المبدأ عبر الزمن، وبالقدرة على الصمود أمام اختبارات التحول والضغط.
وبناءً عليه، فإن معيار الحكم الرشيد على الأشخاص لا يقوم على مواقف عابرة، وإنما على تراكم السلوك، ومدى الثبات عند الاختبار، والقدرة على تقديم المبدأ عندما يتعارض مع المصلحة.




