مقالاتمجموع

يا ويلتاه على كوردستان

مشاركة

كم من الجراح حملتِ بصمت، وكم من الخيبات جاءتكِ لا من عدوّك وحده، بل من أبنائك أيضًا، من صراخهم، ومن خلافاتهم، ومن عجزهم عن رؤية اليد التي تدفعهم إلى أن يطعن بعضهم بعضًا، بينما يقف المتربصون بعيدًا يراقبون المشهد ببرود المنتصر.

لم أجد في تاريخ الشعوب قضيةً عظيمةً ينهكها أبناؤها كما تُنهَك القضية الكوردية.

ولم أرَ شعبًا يُدفَع، بمهارةٍ مخيفة، إلى أن يحفر قبر قضيته بيده، وهو يظنّ أنه يدافع عنها؛ لا يدرك أن أعداءه يقنعونه، خطوةً بعد أخرى، بأن يدفن ذاته باسم حماية ذاته.

كأن المأساة لم تعد في قوة الأعداء وحدها، بل في براعتهم على جعلنا نُكمل عنهم ما عجزوا عن إنجازه.

الأعداء لا ينامون. يعرفون كيف يختارون الكلمة التي تثير الغضب، والعنوان الذي يشعل الشك، والصفحة التي تبدو كأنها تنطق باسم الأمة، وهي في حقيقتها تنفخ في رماد الانقسام.

إنهم بارعون في استخدام الخوارزميات، وفي تسخير وسائل التواصل الاجتماعي، وفي تمرير الفكرة المناسبة في اللحظة المناسبة، لتعميق الشرخ وتسريع التآكل الداخلي.

المتربصون يعرفون أن الانقسام الكوردي قائم على تعادلٍ مُرهق بين قوى متقابلة، بحيث لا يستطيع طرف أن يحسم المسار، ولا يسمح للآخر أن يبنيه. لذلك يجدون في هذا التوازن الهشّ بيئة مثالية لبثّ الفتنة، وتحويل التهم الصغيرة إلى شرخٍ يضرب القضية القومية من داخلها.

وليس الوجع في سذاجة العامة وحدها، بل في سقوط بعض المثقفين أيضًا في الفخ ذاته؛ حين يخلطون بين النقد والهدم، وبين المراجعة والتخوين، وبين الحركات الثقافية داخل الدول المستقرة وحركات التحرر القومي كالحركة الكوردستانية. وما أخطر المثقف حين لا ينتبه إلى أنه قد يتحول، بلغة أنيقة وشعارات عالية، إلى جسرٍ يعبر عليه خصوم كوردستان نحو قلبها.قلبي على كوردستان.

كم نحن قساة عليها حين نحمل اسمها في أفواهنا ولا نحمل وجعها في ضمائرنا. كم نرفعها في الشعارات، ثم نتركها وحيدة أمام انقساماتنا. كم نصرخ باسمها، فإذا ببعض صراخنا يبعدها عنّا، ويزيد المسافة بينها وبين أبنائها.

نريدها قوية ونحن نضعفها، نريدها موحّدة ونحن نبدّدها، نريدها عصية على الأعداء ونحن نفتح في جدارها ألف ثغرة.إن كوردستان لا تحتاج إلى مزيد من الغضب الأعمى، ولا إلى مزيد من الصفحات التي تُدار من الظل، ولا إلى خطاباتٍ تُجيد إشعال الخصومة ولا تعرف كيف تبني وعيًا.

تحتاج إلى ضميرٍ يرحمها، وإلى نقدٍ لا يقتلها، وإلى حبٍّ لا يتحول إلى خنجر. تحتاج إلى أن نفهم أن اختلافنا لا يجوز أن يكون مقبرة لقضيتنا، وأن الحزب لا يمكن أن يكون أكبر من الوطن، وأن الخصومة الداخلية إذا تجاوزت حدودها صارت هدية مجانية للعدو.

يا كوردستان، سامحينا إن قصرنا جميعًا في حقك، وإن جعلنا خلافاتنا أوسع من حلمك، وأعلى من صوتك، وأقسى من جراحك. سامحينا إن لم ندرك دائمًا أن كل جرحٍ داخلي، أيًا كان مصدره، لا يخدم إلا من يتربص بك وبشعبك.

فالدفاع عن كوردستان لا يبدأ بالشتيمة، ولا بالتخوين، ولا بتوسيع الشرخ بين أبنائها، بل يبدأ من اليقظة، من وقف هذا الجنون، من رفض تحويل الخلاف إلى محرقة داخلية، من إدراك أن القضية أكبر من حزب، وأعمق من زعيم، وأقدس من صراعٍ عابر.

أن نعرف متى نختلف، وكيف نختلف، وأين يتوقف الخلاف قبل أن يتحول إلى معولٍ في قبر القضية.

فالأمة التي لا تحمي قضيتها من جنون أبنائها قبل مكر أعدائها، تظل مهددة بأن تُدفن في ضجيج الذين يزعمون الدفاع عنها.

د. محمود عباس الولايات المتحدة الأمريكية29/4/2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى