آفرين علو ـ xeber24.net
لم تعد الجامعة في سوريا فضاءً للمعرفة والتكوين، بل تحولت إلى ساحة اختبار قاسية يواجه فيها الطالب شبكة متداخلة من القرارات المتقلبة، والضغوط الاقتصادية، والتعقيدات الإدارية، في مشهد يرسم صورة قاتمة لمستقبل التعليم العالي في البلاد.
فبين قبولات تتحكم بها القدرة المالية، ومناهج لم تُحدث منذ سنوات، وكادر تدريسي تناهضه الهجرة، وبنية تحتية منهكة، يقف الطالب السوري محاصراً بين طموحه وإمكاناته المحدودة، يدفع ثمن سياسات لم تعد قادرة على احتواء الأزمة.
تبدأ المعاناة من بوابة القبول، حيث تتحكم “المفاضلة” بمصير آلاف الطلاب. فبينما تقوم نظرياً على معيار العلامة، تحولت عملياً إلى ساحة تتداخل فيها الاعتبارات المالية والسياسات المتغيرة.
فقد خلق تعدد أنماط القبول بين العام والموازي والخاص والتعليم المفتوح فجوة واضحة بين الطلاب، وجعل القدرة المالية عاملاً موازياً للتفوق الدراسي، ما ولّد إحساساً بعدم العدالة، حين يدرك الطالب أن مستقبله لا تحدده علامته فقط، بل قدرته على الدفع أيضاً.
وتتفاقم الأزمة مع التأخير المتكرر في صدور نتائج المفاضلة، سواء للمرحلة الجامعية أو الدراسات العليا، حيث يعني الانتظار الطويل حالة من التعليق القسري لحياة الطالب، تتجمد معها الخطط وتتأخر القرارات الشخصية والمهنية.
وفي مرحلة الدراسات العليا، تتخذ الأزمة شكلاً أكثر حدّة. فالمقاعد المحدودة، والمعايير المتغيرة، والاشتراطات التي تُعدّل بين دورة وأخرى، تجعل من القبول في الماجستير مساراً ضيقاً لا يسلكه إلا القليل
.وأثارت قرارات استبعاد بعض خريجي أنماط تعليمية معينة، أو تقييد فرصهم، موجة من الاعتراضات بين الطلاب، الذين رأوا في ذلك تكريساً لعدم تكافؤ الفرص.
وشهدت بعض الجامعات وقفات احتجاجية محدودة طالب خلالها طلاب بإعادة النظر في شروط القبول أو زيادة عدد المقاعد.وداخل الحرم الجامعي، تظهر الأزمة بأوضح صورها: قاعات مكتظة، ومخابر محدودة الإمكانيات، وسكن جامعي لم يعد قادراً على استيعاب الأعداد المتزايدة.
الطالب الذي يدخل الجامعة باحثاً عن بيئة تعليمية محفزة، يجد نفسه في واقع أقرب إلى إدارة أزمة يومية.
أما المناهج فتشكل أحد أبرز مكامن الخلل، إذ إن كثيراً منها لم يخضع لتحديث حقيقي منذ سنوات، ما يجعلها بعيدة عن التطورات العلمية وسوق العمل. ورغم محاولات الوزارة الإعلان عن خطط لتطوير المناهج، إلا أن التنفيذ الفعلي لا يزال محدوداً.
ولا يمكن فصل هذا التراجع عن أزمة الكادر التدريسي، فالهجرة المستمرة للكفاءات الأكاديمية خلال السنوات الماضية تركت فراغاً واضحاً، خاصة في الاختصاصات العلمية والطبية، ما يؤثر على جودة التدريس والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، ويطيل مدة دراسة الطلاب.على الجانب الاقتصادي، تبدو المعاناة أكثر وضوحاً.
فتكاليف المعيشة في ارتفاع مستمر، فيما تبقى الموارد محدودة. الطالب لم يعد قادراً على الاكتفاء بالدراسة، بل أصبح مضطراً للعمل لتأمين احتياجاته الأساسية، ما ينعكس على تحصيله العلمي ويحول تجربته الجامعية إلى سباق مرهق للبقاء.
دور وزارة التعليم العالي في هذا المشهد يبدو متأرجحاً بين الاستجابة الجزئية والتأخر في المعالجة.
فبعض القرارات تأتي كرد فعل على ضغط معين لكنها تظل حلولاً ظرفية لا تمس جذور المشكلة، في غياب خطة إصلاح شاملة.
ويبقى صوت الطلاب خافتاً، فرغم ظهور حالات اعتراض فردية وجماعية بين الحين والآخر، إلا أنها غالباً ما تصطدم بحدود الواقع السياسي والإداري، فتتراجع قبل أن تتحول إلى حركة منظمة.
في المحصلة، يواجه الطالب السوري اليوم ليس تحدياً تعليمياً فقط، بل منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء.
من المفاضلة إلى الماجستير، ومن القاعة الدراسية إلى سوق العمل، تتراكم العقبات لتشكل تجربة جامعية مثقلة بالضغوط، وبين محاولات الوزارة للإدارة وواقع الطلاب المتعقّد.




