مجموعمقالات

حين تتكلم التكنولوجيا… الصين تكسر ميزان السماء في حرب إيران

مشاركة

خبات شاكر

في الحروب التقليدية، كانت الأرض هي التي تتكلم، والدبابات هي التي ترسم حدود السيطرة. أما اليوم، فقد انتقلت المعركة إلى السماء…

بل إلى ما فوق السماء، حيث تتحكم التكنولوجيا بمصير الجبهات قبل أن تتحرك الجيوش. وما يجري في الحرب على إيران ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو إعلان صريح عن ولادة مرحلة جديدة: حرب تكنولوجية تُعاد فيها صياغة موازين القوة العالمية.

بعد أسابيع من الهدوء الحذر والمفاوضات التي لم تنضج، اشتعلت الحرب من جديد. لكن هذه المرة لم تكن كما قبلها. لم تعد إيران تقاتل وحدها ضمن حدود قدراتها التقليدية، بل دخلت على الخط قوة صامتة، ثقيلة، وباردة الأعصاب: الصين.

لم تُرسل بكين جيوشًا، ولم ترفع أعلامها فوق الجبهات، لكنها أرسلت ما هو أخطر: التكنولوجيا.تكنولوجيا صينية متقدمة، يُعتقد أنها تستهدف كسر التفوق الجوي الأمريكي الإسرائيلي، ذلك التفوق الذي شكّل لعقود العمود الفقري لأي حرب في الشرق الأوسط. فجأة، لم تعد السماء مفتوحة كما كانت، ولم تعد الطائرات تحلّق دون حساب.

وكأن إيران حصلت على “عين جديدة” ترى بها السماء، و”يد أطول” تضرب بها خصومها.لم تمر سوى ساعة على اندلاع المواجهة حتى أطلقت إيران مئات، بل آلاف الصواريخ نحو مواقع أمريكية في الشرق الأوسط، في استعراض قوة لم يكن ممكنًا بهذا الحجم لولا وجود دعم تكنولوجي نوعي. لم يكن ذلك مجرد رد عسكري، بل رسالة سياسية واضحة: ميزان الردع لم يعد كما كان.

في المقابل، بدا الغضب واضحًا لدى دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ امتعاضه من الدور الصيني، ملوّحًا بفرض ضرائب تصل إلى 25% على كل من يتعامل مع إيران.

لكن هذا التهديد يعكس أكثر مما يخفي؛ فهو اعتراف ضمني بأن واشنطن لم تعد اللاعب الوحيد القادر على ضبط إيقاع الحروب.أما الصين، فهي لا تتحرك بدافع الأيديولوجيا، بل بمنطق المصالح الباردة. هي تدرك أن كبح الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط يمر عبر بوابة إيران، وأن كسر التفوق الجوي الأمريكي الإسرائيلي هو بداية إعادة توزيع النفوذ العالمي.

إنها حرب بلا ضجيج صيني، لكنها عميقة الأثر.في خلفية المشهد، تقف روسيا مرتبكة، غارقة في مستنقع حربها مع أوكرانيا، عاجزة عن لعب دور حاسم في هذه الجولة.

وهذا الفراغ هو ما سمح للصين بالتقدم خطوة إلى الأمام، ليس كحليف مباشر، بل كمهندس خفي للتوازنات.لكن ما يجري ليس فقط صراع نفوذ، بل هو أيضًا صراع على الطاقة. من فنزويلا إلى مضيق هرمز، تتشكل خريطة جديدة للسيطرة على منابع الطاقة وشرايينها. وإذا نجح ترامب في فرض هيمنة على إيران، فإن ذلك سيمنحه مفاتيح جزء كبير من سوق الطاقة العالمي، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة بناء “إمبراطورية” أمريكية بثوب جديد، قائمة على الطاقة والتحالفات الصلبة.ولعل التلويح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي ليس مجرد ضغط سياسي، بل إشارة إلى احتمال تشكل حلف جديد، قد يضم إسرائيل ودولًا من أوروبا والشرق الأوسط، في محاولة لإعادة صياغة النظام الدولي وفق رؤية أكثر براغماتية وأقل التزامًا بالمؤسسات التقليدية.

وسط هذا الزلزال الجيوسياسي، يبرز السؤال الأكثر حساسية: أين موقع الكورد؟ هل سيكونون جزءًا من هذه الترتيبات الجديدة، أم مجرد ورقة أخرى على طاولة القوى الكبرى؟

التاريخ القريب لا يطمئن، لكنه لا يغلق الأبواب أيضًا. فكل مرحلة فوضى كبرى تحمل في طياتها فرصًا لمن يعرف كيف يقرأ اللحظة.

والكورد، إن أرادوا أن يكونوا أكثر من مجرد متلقين للقرارات، عليهم أن يدخلوا هذه المرحلة بعقل بارد، ورؤية موحدة، وخطاب سياسي واضح.

إنها ليست حرب صواريخ فقط، بل حرب عقول. ومن لا يملك قراره في زمن التكنولوجيا…

سيُكتب مستقبله بأقلام الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى