خالد حسو
لم تعد القضية الكوردية مجرد ملف سياسي مؤجل، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة الشرق الأوسط على مواجهة إرثه التاريخي وبناء نظام إقليمي أكثر توازنًا وعدالة .
ترتبط هذه القضية بجذور تاريخية عميقة تعود إلى التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، حين أُعيد رسم خريطة المنطقة عبر ترتيبات دولية، أبرزها اتفاقية سايكس–بيكو، والتي أسهمت في نشوء دول حديثة ضمن حدود لم تعكس بشكل دقيق التوزيع التاريخي والجغرافي لعدد من الشعوب، ومن بينها الشعب الكوردي .
في هذا السياق، تم تقسيم كوردستان التاريخية بين عدة دول، هي تركيا وإيران والعراق وسوريا، ما أدى إلى تفكيك المجال الجغرافي الكوردي وإعادة تشكيله ضمن كيانات سياسية منفصلة، رغم استمرار وحدة الهوية الثقافية واللغوية والتاريخية .
هذا الواقع لم يكن مجرد تحوّل جغرافي، بل أسّس لحالة من التوتر السياسي البنيوي بين مطالب شعب يسعى إلى الاعتراف بحقوقه القومية، وبين دول تتمسّك بمفاهيم السيادة ووحدة الدولة كأولوية مطلقة .
من منظور قانوني وسياسي، يستند الطرح الكوردي إلى مبدأ حق تقرير المصير، وهو مبدأ أقرّته المواثيق الدولية، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، ويؤكد على حق الشعوب في تحديد مستقبلها السياسي وفق إرادتها الحرة، خاصة حين تتوافر مقومات الهوية الجماعية والتاريخ المشترك .
في المقابل، تعتمد الدول المعنية مقاربة سيادية صارمة، تنظر إلى هذا الطرح باعتباره تحديًا لبنية الدولة، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى إدارة الأزمة بدل حلّها، وإلى إعادة إنتاج التوتر بدل احتوائه.
لقد أثبتت التجربة أن اختزال القضية الكوردية في بعدها الأمني لم يؤدِّ إلى استقرار دائم، بل ساهم في تعقيدها وتعميقها. وعليه، فإن استمرار هذا النهج لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار في ظل التحولات الإقليمية والدولية .
إن المقاربة الأكثر واقعية واستدامة تتمثل في تبنّي حل سياسي قائم على الحوار الجاد والاعتراف المتبادل، يضمن الحقوق القومية والثقافية والسياسية للشعب الكوردي ضمن أطر سلمية وديمقراطية .
ولا يقتصر أثر هذا الحل على طرف دون آخر، بل يشكّل مصلحة مشتركة لجميع شعوب المنطقة، إذ يفتح المجال أمام الاستقرار، ويعزز فرص التنمية، ويؤسس لعلاقات قائمة على حسن الجوار بدل الصراع المستمر .
إن تجاهل القضية الكوردية لم يعد يحافظ على الاستقرار، بل يؤجل الأزمات ويعمّقها. أما معالجتها عبر الحوار والتفاهم السياسي، فهي الخطوة الضرورية نحو شرق أوسط أكثر توازنًا وعدالة وسلامًا …




