آفرين علو – xeber24.net
في مشهد يختزل سنوات من المعاناة، وقفت عائلات مهجّرة من قرية “الداوودية” غرب ناحية زركان بريف الحسكة، أمام حواجز غير مرئية تحول بينها وبين بيوتها. القرية لم تعد كما تركوها؛ فقد تحولت إلى قاعدة عسكرية تركية، وبات الاقتراب منها محظوراً. لم تقف المأساة عند حدود المنع من العودة، بل امتدت إلى أبسط الحقوق الإنسانية.
يروي أحد المهجرين أن القوات التركية رفضت طلب عائلته دفن عمها في مسقط رأسه بالقرية، وأبلغتهم أن “هذه قاعدة عسكرية تركية لا يسمح بالاقتراب منها”، لا للحيّ ولا للميت. هذه الحادثة ليست استثناءً، بل هي وجه من سياسة ممنهجة تعرقل عودة السكان الأصليين في مناطق واسعة من شمال سوريا.
قوافل العودة.. حين يصطدم الحلم بواقع الاستيلاء
لم تكن محاولات العودة في سري كانيه بأفضل حالاً. فبعد سنوات من التهجير القسري الذي أعقب العملية العسكرية التركية “نبع السلام” عام 2019، والتي هجّرت أكثر من 200 ألف شخص، انطلقت قوافل العودة تباعاً. لكن الحلم اصطدم بواقع مرير. ففي القافلة السابعة التي ضمت مئات العائلات، اضطرت عائلات كردية من قرى مثل “زينكات” و”الدويرة” للعودة أدراجها، بعد أن وجدت منازلها مأهولة بالكامل من قبل أشخاص آخرين رفضوا إخلاءها.
وتكشف استبيانات حديثة أن 42.8% من المهجرين أفادوا بالاستيلاء على منازلهم أو أراضيهم أو ممتلكاتهم، بينما باتت منازل 58.2% منهم غير صالحة للسكن.
كما تواجه العائلات العائدة مشهداً من الدمار والنهب، حيث لم تجد سوى الجدران المتبقية بعد نهب المقتنيات وتجريف الأراضي واقتلاع الأشجار.
لماذا تتمركز القواعد التركية في سوريا؟
تؤكد أنقرة أن قواتها ستبقى “حتى يتم ضمان أمن الحدود بشكل كامل”، وأنها تعمل بالتنسيق مع السلطة الانتقالية السورية الجديدة لـ”تعزيز قدرات الجيش السوري”.
لكن هذه المبررات تصطدم بأسئلة السيادة. فمنذ سقوط نظام الأسد، يرى مراقبون أن المبرر الأمني التقليدي لم يعد قائماً بالشكل السابق، وأن استمرار الانتشار التركي مرتبط بأهداف أطول مدى تتعلق بإعادة تشكيل بنية النفوذ في سوريا. وتشير تقارير إلى أن تركيا تسعى لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية بعد الضربات الإسرائيلية، وهو ما يعزز نفوذها الميداني.
أين السيادة السورية؟
في خضم هذه المعادلة، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: أين سيادة الدولة السورية على أراضيها؟ الموقف الرسمي المعلن من دمشق يحاول الموازنة بين التأكيد على السيادة والتعاون الأمني. فوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني شدد على أن “سوريا دولة ذات سيادة، ولها الحق في إقامة علاقات تعاون وتحالف مع أي دولة، بما في ذلك تركيا”، لكنه نفى وجود نية لإنشاء قاعدة تركية دائمة في مطار أبو الظهور. هذا التناقض الظاهري يعكس واقعاً معقداً: ففي الوقت الذي تتحدث فيه دمشق عن السيادة، تستمر القواعد التركية في العمل، وتستمر العائلات المهجرة في دفع الثمن.
وقد أعرب البرلمان الأوروبي صراحة عن “قلقه المستمر إزاء الوجود الدائم للقوات التركية في البلاد”، ودان “إنشاء بنى عسكرية وإدارية طويلة الأمد في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية”، داعياً أنقرة إلى “احترام سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية”. وبينما تتواصل القوافل وتُبذل جهود لإعادة مئات العائلات، يبقى السؤال معلقاً: إلى متى تظل القواعد العسكرية حائلاً بين السوريين وبيوتهم، وإلى متى تبقى السيادة شعاراً تنتظره الأرض؟



