مجموع

المحكمة الدستورية العليا في سوريا بين استكمال المؤسسات والجدل حول الاستقلالية

مشاركة

آفرين علو – xeber24.net

ما المحكمة الدستورية العليا التي شُكّلت بمرسوم رئاسي في سوريا؟ وكيف يُختار أعضاؤها وما صلاحياتها؟

وهل تختلف آلية تشكيلها وضمانات استقلاليتها عن تلك المعمول بها في دول الجوار والأنظمة الديمقراطية الحديثة أصدر رئيس السلطة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، المرسوم رقم (149) لعام 2026 أمس الثلاثاء، القاضي بتعيين عصام خالد الخليف رئيساً للمحكمة الدستورية العليا، إلى جانب تعيين ستة أعضاء أخرين.وضمّت التشكيلة إلى جانب رئيس المحكمة كلاً من “خير الله نديم غنوم، محمد مصطفى سبيع، إيمان أنطوان نوري، إسماعيل حمادي الخلفان، ريعان حسن كحيلان، عارف أحمد الشعال”.ويأتي تشكيل المحكمة بعد أكثر من عام على صدور “الإعلان الدستوري”، الذي نص على حل المحكمة الدستورية العليا السابقة التابعة للنظام السابق، وإنشاء محكمة جديدة تتولى الرقابة على دستورية القوانين خلال “المرحلة الانتقالية”.تُعد المحكمة الدستورية العليا أعلى هيئة قضائية مختصة بالنظر في دستورية القوانين والأنظمة، ويهدف وجودها إلى ضمان توافق التشريعات والقرارات مع أحكام “الإعلان الدستوري”، بما يكرس مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات.

وخصص الإعلان الدستوري المادة (47) لتنظيم المحكمة، ونص على حل المحكمة السابقة وإنشاء محكمة دستورية عليا جديدة تتكون من سبعة أعضاء، يسميهم أحمد الشرع، على أن يكونوا من “ذوي النزاهة والكفاءة والخبرة”، فيما تُترك التفاصيل المتعلقة بعمل المحكمة واختصاصاتها لقانون يصدر لاحقاً.

كيف جرى تعيين الأعضاء؟بموجب “الإعلان الدستوري”، يملك أحمد الشرع صلاحية تسمية جميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا، دون النص على آلية ترشيح أو انتخاب أو مصادقة من أي جهة أخرى.

كما لم يحدد “الإعلان الدستوري” شروطاً تفصيلية للعضوية، مثل سنوات الخبرة أو الدرجة القضائية أو المؤهلات الأكاديمية، واكتفى بالنص على ضرورة توافر صفات “النزاهة والكفاءة والخبرة” في المعينين.ما صلاحيات المحكمة؟

ورغم أن “الإعلان الدستوري” أحال تنظيم اختصاصات المحكمة إلى قانون خاص لم يصدر حتى الآن، فإن مرسوم تشكيلها منحها عدداً من الصلاحيات الأساسية، أبرزها: “الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، إبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين بطلب من رئيس الجمهورية، إبداء الرأي في دستورية اقتراحات القوانين بطلب من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب، تفسير نصوص الإعلان الدستوري بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب”.وتضع هذه الصلاحيات المحكمة في موقع الجهة المختصة بحسم الخلافات الدستورية ومراقبة توافق التشريعات مع “الإعلان الدستوري”.

لم يحدد “الإعلان الدستوري” مدة ولاية رئيس المحكمة أو أعضائها، كما لم ينظم آلية إنهاء العضوية أو حالات العزل أو إعادة التعيين، بل ترك هذه المسائل للقانون الناظم للمحكمة، الذي لم يصدر حتى الآن.ويرى مختصون أن مدة الولاية وضمانات عدم العزل تعد من أهم عناصر استقلال المحاكم الدستورية، وأن غياب هذه الأحكام يترك فراغاً تشريعياً ينبغي معالجته في القانون المرتقب.

ويرى حقوقيون أن منح الرئيس صلاحية منفردة في اختيار رئيس المحكمة وجميع أعضائها، دون مشاركة مجلس الشعب أو مجلس القضاء الأعلى أو أي هيئة قضائية مستقلة، قد يؤثر في استقلال المحكمة، بوصفها الجهة التي يفترض أن تراقب دستورية القوانين والقرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية نفسها.

كما يشير قانونيون إلى أن الإعلان الدستوري لم يضع معايير دقيقة لاختيار أعضاء المحكمة، واكتفى بمعايير عامة تتمثل في “النزاهة والكفاءة والخبرة”، دون تحديد شروط موضوعية تتعلق بالمؤهلات أو سنوات الخبرة أو آليات الترشيح والمفاضلة.

ويضاف إلى ذلك أن المحكمة باشرت تشكيلها قبل صدور القانون الخاص الذي ينظم إجراءات عملها وآلية التقاضي أمامها وحدود اختصاصاتها بصورة تفصيلية، وهو ما عدَّه بعض المختصين نقصاً في البناء القانوني للمؤسسة.

كيف تُشكَّل المحاكم الدستورية في الدول الأخرى؟تختلف آليات تشكيل المحاكم الدستورية من دولة إلى أخرى، إلا أن معظم الأنظمة الحديثة تعتمد على توزيع سلطة التعيين بين أكثر من مؤسسة دستورية، بهدف منع احتكار أي سلطة لعملية اختيار القضاة وضمان استقلال المحكمة.

في تركيا، تتألف المحكمة الدستورية من 15 عضواً، ويعيّن رئيس الجمهورية أعضاءها من بين مرشحين ترفعهم المحكمة العليا، ومجلس الدولة، ومجلس التعليم العالي، بالإضافة إلى انتخاب البرلمان عدداً من الأعضاء.أما لبنان، فيضم المجلس الدستوري عشرة أعضاء، يعين مجلس الوزراء نصفهم، بينما ينتخب مجلس النواب النصف الآخر، وهو ما يحقق نوعاً من التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

في العراق، تُنظم آلية اختيار أعضاء المحكمة الاتحادية العليا بموجب الدستور وقانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 المعدل بالقانون رقم (25) لسنة 2021، ولا تقوم على قرار منفرد من السلطة التنفيذية، ويجري اختيار القضاة من خلال ترشيحات يقدمها مجلس القضاء الأعلى بالتنسيق مع رئاسة المحكمة الاتحادية العليا والادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي، فيما تصدر التعيينات وفق الإجراءات الدستورية والقانونية النافذة.

وعلى الصعيد الأوروبي، تُعد ألمانيا من أبرز النماذج في ضمان استقلال القضاء الدستوري، إذ ينتخب البرلمان بغرفتيه قضاة المحكمة الدستورية الاتحادية بأغلبية الثلثين، الأمر الذي يفرض توافقاً سياسياً واسعاً ويحول دون سيطرة حزب واحد على تشكيل المحكمة.

وفي فرنسا، يتقاسم رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ صلاحية تعيين أعضاء المجلس الدستوري، بحيث لا تنفرد أي سلطة بتشكيل الهيئة الدستورية.

بالمقارنة مع هذه النماذج، فإن الإعلان الدستوري السوري منح الرئيس سلطة تسمية رئيس المحكمة الدستورية العليا وجميع أعضائها السبعة بصورة مباشرة، دون اشتراط موافقة مجلس الشعب أو إشراك مجلس القضاء الأعلى أو أي جهة قضائية أو مهنية في عملية الاختيار.

كما لم يحدد الإعلان الدستوري مدة ولاية أعضاء المحكمة، أو آلية إنهاء عضويتهم، أو الضمانات المتعلقة بعدم عزلهم، وهي ضمانات تعد من الركائز الأساسية لاستقلال المحاكم الدستورية في معظم الأنظمة المقارنة.

ويرى عدد من خبراء القانون الدستوري أن تركيز سلطة التعيين بيد رئيس السلطة الانتقالية في سوريا، إلى جانب غياب الضوابط المتعلقة بمدة الولاية وآليات العزل والتجديد، قد يثير تساؤلات حول مدى استقلال المحكمة عن السلطة التنفيذية.

في حين ترى الحكومة أن هذه الصلاحيات تندرج ضمن “الطبيعة الاستثنائية للمرحلة الانتقالية”، وأن استكمال الضمانات القانونية سيكون من خلال القانون الناظم لعمل المحكمة الذي لم يصدر بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى