خبات شاكر
في السياسة، كما في التاريخ، لا يكفي أن تكون القضية عادلة لكي تنتصر، بل يجب أن تمتلك رؤية واقعية وأدوات تحمي شعبها من الكوارث قبل وقوعها.
وما جرى في قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة يفرض على جميع شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الكردي، التوقف ملياً أمام دروس المرحلة والتفكير بعقل بارد في كيفية حماية الإنسان والأرض والمستقبل.
لقد وقف قطاع غزة في مواجهة واحدة من أعقد الحروب في العصر الحديث، ورغم أن خلفه اثنتين وعشرين دولة عربية وسبعاً وخمسين دولة إسلامية، فإن حجم المعاناة الإنسانية والدمار كشف حقيقة قاسية في السياسة الدولية: الشعوب لا تستطيع الاعتماد على العواطف والشعارات وحدها، بل تحتاج إلى قوة تنظيمية واستراتيجية واقعية تضمن أمنها واستقرارها.
أما الشعب الكردي، الذي لا يمتلك دولة قومية مستقلة ولا تحالفاً إقليمياً ثابتاً يحميه، فهو مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتفكير مئة مرة قبل اتخاذ أي خطوة مصيرية.
فالمهمة الأولى ليست تحقيق المكاسب السياسية فحسب، بل حماية الشعب الكردي ومناطقه من أي سيناريو قد يقوده إلى مصير مشابه لما شهدته غزة من دمار ونزوح ومآسٍ إنسانية.ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى الخطوة الأولى والأكثر أهمية: عقد مؤتمر وطني كردستاني جامع في أسرع وقت ممكن.
فالتحديات التي تواجه الكرد أكبر من أن تتحملها جهة سياسية واحدة أو حزب واحد أو منطقة واحدة.
إن وحدة الموقف السياسي لا تعني إلغاء الاختلافات، بل تعني الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح القومية المشتركة وصياغة رؤية موحدة للمستقبل.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في بناء استراتيجية كردية مشتركة قابلة للتطبيق، تنسجم مع المتغيرات الدولية والإقليمية.
فالعالم لا يتعامل مع الأمنيات، بل مع المشاريع الواقعية القادرة على التفاعل مع موازين القوى والقوانين الدولية.
ولذلك فإن أي مشروع كردي مستقبلي يحتاج إلى لغة سياسية عقلانية، وإلى بناء الشراكات والحوار مع مختلف القوى الفاعلة في المنطقة والعالم.
وفي هذا السياق تكتسب أفكار القائد عبد الله أوجلان أهمية خاصة، ليس باعتبارها مجرد نظرية سياسية، بل باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال معقد يتعلق بكيفية تعايش الشعوب المختلفة داخل فضاء سياسي مشترك.
فقد طوّر أوجلان مفهوم “المجتمع الديمقراطي” و”الأمة الديمقراطية” بوصفهما بديلاً عن الصراعات القومية التقليدية التي أنهكت الشرق الأوسط لعقود طويلة.
ويقوم هذا المفهوم على جملة من المبادئ الأساسية، أبرزها الديمقراطية المجتمعية، وحرية المرأة، والتعددية الثقافية والدينية، والإدارة الذاتية المحلية، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، وحل النزاعات عبر الحوار والتفاوض.
كما يؤكد على أن الانتماء إلى الوطن لا ينبغي أن يُبنى على قومية واحدة أو دين واحد، بل على مبدأ المواطنة المتساوية التي تضمن حقوق جميع المكونات.
إن قوة هذا المشروع تكمن في محاولته الجمع بين الهوية والحرية، وبين الخصوصية القومية والشراكة الوطنية.
فالدولة الحديثة، وفق هذا الفهم، ليست أداة لفرض هوية واحدة على الجميع، بل مؤسسة لخدمة المواطنين كافة، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الثقافية.
ومن هنا فإن الاستراتيجية الكردية المطلوبة في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تنطلق من منطق المواجهة الدائمة، ولا من انتظار المعجزات الخارجية، بل من بناء مجتمع ديمقراطي قوي، ومؤسسات سياسية فاعلة، وعلاقات متوازنة مع الجوار، ورؤية تستند إلى الحوار والواقعية السياسية.
إن الشعوب التي تتعلم من تجارب الآخرين تقلل من أثمان المستقبل.
والكرد اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل آلام الماضي إلى خبرة سياسية، وتحويل الانقسام إلى وحدة، وتحويل المخاوف إلى مشروع مستدام يحمي الإنسان الكردي ويضمن حقوقه ضمن شرق أوسط أكثر استقراراً وعدالة.
ففي نهاية المطاف، ليست الحكمة في خوض جميع المعارك، بل في معرفة أي طريق يقود إلى حماية الشعب، وأي طريق يقود إلى الخسارة.
وهذه هي المهمة الكبرى التي تنتظر الحركة السياسية الكردية في السنوات القادمة.




