بقلم: شفان الخابوري
لا يمكن قراءة ما جرى في أجزاء كردستان خلال السنوات الأخيرة على أنه مجرد سلسلة من التطورات السياسية، بل هو مسار متكامل كشف بوضوح طبيعة الصراع على القضية الكردية، وحدود التوازنات الإقليمية والدولية، وأظهر مكامن القوة والضعف في التجربة السياسية الكردية.
لقد وضعت هذه التحولات الحركة السياسية الكردية أمام اختبار حقيقي، وأثبتت أن الإنجازات وحدها لا تكفي إذا لم تُحمَ برؤية سياسية موحدة واستراتيجية بعيدة المدى.من شمال كردستان إلى غربها، ومن جنوبها إلى شرقها، تتباين الوقائع، لكن التحديات تكاد تكون واحدة.
فكل جزء يعيش ظروفًا مختلفة، إلا أن النتيجة النهائية تشير إلى أن القضية الكردية ما زالت تواجه محاولات مستمرة لإبقائها ضمن حدود المصالح الإقليمية، بعيدًا عن أي حل عادل يضمن الحقوق القومية للشعب الكردي.
لقد علمتنا التجارب أن أخطر ما يواجه أي قضية قومية ليس قوة خصومها فحسب، بل ضعف بيتها الداخلي.
فالانقسام السياسي لا يستهلك الطاقات فقط، بل يمنح الآخرين فرصة للتأثير في القرار الكردي وتوجيه مساراته بما يخدم مصالحهم. وعندما تغيب الرؤية المشتركة، تتحول الإنجازات إلى مكاسب مؤقتة يسهل إضعافها أو الالتفاف عليها.
المراجعة السياسية اليوم ليست اعترافًا بالفشل، بل هي دليل على النضج. فالشعوب التي تتعلم من تجاربها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها. أما الاكتفاء بتكرار الأخطاء أو الاكتفاء بردود الأفعال، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة.
إن القضية الكردية تحتاج إلى مشروع سياسي جامع، يستند إلى وحدة الصف، واحترام التنوع السياسي، وبناء مؤسسات قوية، وتطوير أدوات العمل الدبلوماسي، لأن المرحلة المقبلة لن تُحسم بالسلاح وحده، ولا بالشعارات وحدها، وإنما بقدرة الكرد على توحيد إرادتهم الوطنية، وتحويل تضحياتهم إلى مشروع سياسي يحظى بالشرعية الداخلية والاحترام الدولي.
هذه هي العبرة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الوعي السياسي الكردي؛ فالقضية لا يحميها التاريخ وحده، بل يحميها حسن قراءة التاريخ، ووحدة القرار، والإيمان بأن قوة الكرد تبدأ أولًا من وحدتهم.




