خبات شاكر
في اللحظات التي يحتاج فيها الشعب الكوردي إلى أكبر قدر من الحكمة والوحدة، يخرج علينا بعض الباحثين عن الإثارة ليحوّلوا حادثة عابرة إلى معركة مفتعلة، وليجعلوا من رمزٍ وطني جسراً للانقسام بدل أن يكون رايةً جامعةً لكل الكورد.
وما الحملة التي استهدفت الفنان ديار ديرسم إلا مثال جديد على هذه السياسة التي تتغذى على الاستفزاز وتعيش على الفتن.ديار ديرسم ليس اسماً مجهولاً في الوجدان الكوردي.
إنه فنان قضى عقوداً من عمره يغني للأرض الكوردية وللحرية وللشهداء، وحمل صوته إلى مختلف أجزاء كوردستان. عرفه الناس بفنه الراقي وأخلاقه الرفيعة ومواقفه الواضحة في الدفاع عن حقوق الشعب الكوردي.
ولذلك فإن محاولة تصويره فجأة على أنه عدو لكوردستان أو كاره لرموزها تبدو أقرب إلى العبث السياسي منها إلى النقد الموضوعي.
ما جرى في الحفل لم يكن نقاشاً حول قيمة علم كوردستان، فالعلم رمز يحظى باحترام ملايين الكورد، ولا يحتاج إلى شهادة من هذا أو ذاك لإثبات مكانته.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل كان ما حدث تعبيراً عفوياً عن محبة العلم، أم كان فعلاً استفزازياً معدّاً مسبقاً لإنتاج مشهد إعلامي يثير الضجيج ويشعل الخلافات؟كل المؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن هناك من أراد صناعة أزمة من لا شيء.
فالكاميرات كانت جاهزة، والاتهامات كانت جاهزة، وأحكام التخوين صدرت قبل أن يجفّ الحبر على الأخبار المتداولة. وكأن المطلوب لم يكن الدفاع عن العلم، بل البحث عن فرصة لتصفية حسابات سياسية وأيديولوجية مع فنان معروف بانتمائه الفكري ومواقفه السياسية.إن الذين يهاجمون ديار ديرسم اليوم لا يتحدث كثير منهم عن وحدة الشعب الكوردي، بل يمارسون أبشع أشكال الانقسام.
فبدلاً من مناقشة المواقف السياسية بالحجة، يلجؤون إلى الشتائم والإهانات والتشكيك بالهوية والتخوين الشخصي. وبعض ما كُتب بحقه تجاوز النقد إلى مستوى الإساءة الأخلاقية والإنسانية التي لا تليق بثقافة شعب عانى طويلاً من القمع والتمييز.
المفارقة أن كثيراً من هؤلاء لا يدافعون عن العلم بقدر ما يستخدمونه ستاراً لأحقادهم الحزبية. فالعلم الذي يفترض أن يكون رمزاً جامعاً لكل الكورد، يريدون تحويله إلى ملكية سياسية لفريق دون آخر.
وكأن حب كوردستان يقاس بالولاء لهذا الحزب أو ذاك، لا بحجم التضحيات التي قدمها الإنسان طوال حياته.لقد زار ديار ديرسم باشور كوردستان مرات عديدة، وغنى لجماهيره هناك، وأظهر احترامه لرموزها وشهدائها وقادتها.
ولم يُعرف عنه يوماً أنه أساء إلى شعبه أو إلى تطلعاته القومية. لكنه، مثل كثيرين، يرفض التملق السياسي والاستعراض الإعلامي، ويرفض أن يُفرض عليه أي رمز بطريقة استعراضية هدفها خلق مشهد للجدل أكثر من التعبير عن المحبة.
إن أخطر ما في هذه الحادثة ليس ما جرى على المسرح، بل ما جرى بعده. فبدلاً من توجيه الطاقات نحو التحديات المصيرية التي تواجه الكورد في مختلف أجزاء كوردستان، انشغل البعض بإشعال حرب إلكترونية بين أبناء الشعب الواحد.
وكأن أعداء الكورد لم يعودوا موجودين، وكأن كل المشكلات القومية حُلّت، ولم يبقَ سوى مطاردة فنان بسبب لقطة مجتزأة من سياقها.
اليوم يحتاج الكورد إلى خطاب يوحّد ولا يفرّق، إلى عقلانية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، وإلى احترام متبادل بين مختلف التيارات السياسية.
فالقضية الكوردية أكبر من الأشخاص والأحزاب، وأكبر من حادثة عابرة في حفل فني.كفى استغلالاً لمشاعر الناس.كفى تحويل الرموز الوطنية إلى أدوات للمزايدة.
كفى نفخاً في نار الخلافات بين أبناء الشعب الواحد.إن قوة الكورد لم تكن يوماً في تشابه آرائهم، بل في قدرتهم على التعايش رغم اختلافاتهم.
ومن يريد خدمة كوردستان حقاً، عليه أن يبني الجسور بين أبنائها لا أن يحفر الخنادق بينهم.
أما ديار ديرسم، فسيبقى في نظر محبيه ذلك الفنان الذي أفنى سنوات عمره يغني للوطن والحرية والكرامة، بينما ستبقى الحملات التحريضية مجرد موجات عابرة سرعان ما تنكسر على صخرة الحقيق




