مقالاتمجموع

القضية الكردية أمام منعطف تاريخي: بين وحدة الصف وضرورة الحل العادل

مشاركة

خبات شاكر

تدخل القضية الكردية اليوم مرحلة جديدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً منذ عقود طويلة.

فالتحولات السياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، وتبدل أولويات القوى الدولية، والتغيرات العميقة التي تشهدها المنطقة، تفرض على الكرد قراءة المشهد بواقعية سياسية بعيدة عن الأوهام، وقريبة من مصالح الشعب الكردي وحقوقه المشروعة.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الشعوب التي لا تمتلك رؤية موحدة لمستقبلها تكون أكثر عرضة للتهميش عند رسم خرائط المصالح الإقليمية والدولية.

ومن هنا، فإن التحدي الأكبر أمام الكرد لا يكمن فقط في مواقف الدول الكبرى أو سياسات القوى الإقليمية، بل في قدرتهم على بناء موقف كردي موحد يضع المصلحة القومية فوق الخلافات الحزبية والتنظيمية.

التصريحات الصادرة عن مسؤولين أمريكيين خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب السياسات التي تنتهجها بعض دول المنطقة، تشير إلى أن الشرق الأوسط مقبل على ترتيبات جديدة قد لا تمنح القضية الكردية الأولوية التي تستحقها.

وهذا يفرض على القوى السياسية والعسكرية الكردية في مختلف أجزاء كردستان أن تستعد لمرحلة صعبة قد تتطلب أعلى درجات الحكمة والوحدة والتنسيق.

إن المطلوب اليوم ليس الدخول في صراعات جديدة أو خلق أزمات إضافية في منطقة أنهكتها الحروب، بل العمل على تحويل القضية الكردية إلى ملف سياسي عادل لا يمكن تجاهله أو تأجيله إلى ما لا نهاية.

فالكرد ليسوا ضد مصالح أي دولة أو شعب، ولا يسعون إلى تهديد استقرار المنطقة، وإنما يطالبون بحقوقهم القومية والسياسية والثقافية التي كفلتها المواثيق الدولية لكل الشعوب.

ومن هنا يجب أن يكون الخطاب الكردي واضحاً أمام العالم: نحن لا نبحث عن عداوات جديدة، ولا نسعى إلى تقويض استقرار أحد، بل نطالب بحل عادل ودائم للقضية الكردية يضمن الكرامة والحرية والشراكة الحقيقية في الأوطان التي يعيش فيها الكرد.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب أولاً بناء استراتيجية كردية مشتركة، تجمع القوى السياسية والعسكرية ومنظمات المجتمع المدني والنخب الفكرية حول رؤية موحدة للمستقبل.

فالتاريخ يثبت أن الانقسام كان دائماً أحد أكبر نقاط الضعف التي استغلتها القوى المختلفة لإضعاف الموقف الكردي.إن الشرق الأوسط لا يمكن أن ينعم باستقرار دائم إذا بقيت واحدة من أكبر القضايا القومية في المنطقة دون حل.

فالقضية الكردية ليست مشكلة أمنية أو عسكرية، بل قضية شعب يزيد تعداده على عشرات الملايين، يتطلع إلى الاعتراف بحقوقه وهويته ومستقبله.

وفي المرحلة المقبلة، سيكون على الكرد أن يثبتوا للعالم أن تجاهل حقوقهم لن يؤدي إلى الاستقرار المنشود، وأن الحل الحقيقي يكمن في الاعتراف العادل بحقوق الشعوب كافة، وفي مقدمتها الشعب الكردي.

فسلام المنطقة واستقرارها لن يتحققا عبر إدارة الأزمات أو تأجيلها، بل عبر معالجة جذورها السياسية والتاريخية.

إنها لحظة تتطلب وحدة الصف، ووضوح الرؤية، وواقعية السياسة. فالأمم التي تتوحد حول مصالحها الكبرى تستطيع عبور أصعب المراحل، أما الأمم التي تستهلك طاقاتها في الخلافات الداخلية فإنها تمنح الآخرين فرصة تقرير مصيرها نيابة عنها.

لذلك، فإن الرسالة الأهم في هذه المرحلة هي أن وحدة الموقف الكردي لم تعد خياراً سياسياً فحسب، بل أصبحت ضرورة تاريخية تفرضها التحديات القادمة، وتستلزمها آمال الأجيال الكردية التي تتطلع إلى مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً وكرامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى