مجموعمقالات

حين تُهزم الحدود: حكاية عائلة شكر دلي بين جغرافيا القهر وإرادة اللقاء

مشاركة

في الجغرافيا، تبدو الحدود خطوطًا مرسومة بالحبر، لكن في حياة الشعوب، هي جروح مفتوحة لا تندمل.

هكذا كانت حكاية عائلة شكر دلي، حكاية ليست استثناءً، بل صورة مصغّرة لمأساة شعب كامل كُتب عليه أن يُقسَّم دون أن يُستشار، وأن يُفصل بين أبنائه دون أن يُؤخذ بعين الاعتبار معنى الانتماء والدم والذاكرة.

في أوائل القرن الماضي، حين اجتمع الغرباء ليخطّوا خرائط الشرق، لم يكونوا يرسمون حدودًا فقط، بل كانوا يزرعون فصولًا طويلة من الفقد. اتفاقية سايكس بيكو لم تُقسّم الأرض فحسب، بل مزّقت القلوب، وشطرَت العائلات، وحوّلت القرى المتجاورة إلى عوالم منفصلة.

هكذا وجد أحد إخوة عائلة شكر دلي نفسه في روجافا، بينما بقي الآخر في باكور، يفصل بينهما شريط حدودي لا يتجاوز بضعة كيلومترات، لكنه في الحقيقة كان مسافة من الأسلاك الشائكة، والألغام، والخوف، والحراس.

كم هو قاسٍ أن ترى أرضك من بعيد ولا تستطيع الوصول إليها، وأن تعرف أن أخاك على بُعد خطوات، لكن تلك الخطوات قد تكلّفك حياتك. عاشوا عقودًا طويلة على هذا الإيقاع المؤلم: قرب جغرافي، وبُعد قسري.

كانت الزيارات مستحيلة، وكانت اللقاءات حلمًا مؤجّلًا، لكن شيئًا واحدًا لم تستطع الحدود مصادرته: الاشتياق. ظلّ حيًا، يتنفس في الصدور، ويتوارثه الأبناء كما تُورَّث الحكايات.ومع ذلك، لم تكن هذه القصة نهايةً مفتوحة على الألم فقط.

ففي زمن الهجرة الكبرى، حين دفعت الظروف آلاف الكورد إلى البحث عن حياة جديدة، حملت عائلة شكر دلي ما تبقى من ذاكرتها وسافرت. لم تكن الرحلة إلى ألمانيا مجرد انتقال جغرافي، بل كانت عبورًا من زمن التمزّق إلى إمكانية اللقاء. هناك، بعيدًا عن حدود سايكس بيكو، التقى الإخوة مجددًا.

لا كأفراد فقط، بل كعائلة استعادت نفسها بعد عقود من الانقسام.في المدن الألمانية، بدأت الحكاية تُكتب من جديد.

من عائلة صغيرة مزّقتها الحدود، نشأت شبكة واسعة من العائلات، امتدت جذورها في أكثر من مدينة، وتفرعت في مجالات الحياة المختلفة. أطباء، حكّام، أكاديميون، فنانون، سياسيون، ومثقفون.

لم يكن هذا مجرد نجاح فردي، بل كان ردًّا صامتًا على تاريخ من الإقصاء: نحن هنا، رغم كل شيء.هذه القصة ليست عن عائلة واحدة فقط، بل عن ملايين العائلات الكوردية التي عاشت المصير ذاته.

عائلات تقاسمتها الدول، ووزعتها الخرائط، لكنها بقيت موحّدة في الوجدان.

كل بيت كُردي يحمل في داخله حكاية شبيهة، حكاية أخٍ لم يُرَ منذ سنوات، أو أمٍّ تنتظر خبرًا، أو قرية انقسمت نصفين.ومع ذلك، فإن الدرس الأعمق في قصة عائلة شكر دلي لا يكمن في الألم، بل في القدرة على تجاوزه.

لقد أثبتت هذه العائلة، مثل غيرها، أن إرادة الإنسان أقوى من قرارات السياسة، وأن الهوية لا تُختزل في خط على الخريطة.

الحدود قد تفصل الأجساد، لكنها تعجز عن تفكيك الروابط التي صاغها التاريخ المشترك.في النهاية، قد تنجح القوى الكبرى في رسم الخرائط، لكنها تفشل دائمًا في رسم مصير الشعوب.

فالكورد، الذين قُسّموا إلى أربعة أجزاء، لم ينقسموا في الحقيقة. ظلّوا شعبًا واحدًا، بذاكرة واحدة، وأمل واحد.

قصة عائلة شكر دلي تقول لنا بوضوح:الحدود المصطنعة قد تؤخر اللقاء، لكنها لا تستطيع منعه. وإرادة الشعوب، مهما طال الزمن، تبقى أقوى من كل الخرائط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى