خالد حسو
تشكل المواقف الإيجابية الصادرة من الأفراد والشخصيات العربية وغير العربية، والجهات الرسمية وغير الرسمية تجاه القضية الكوردية والشعب الكوردي مؤشراً أساسياً على إمكانية بناء حوار سياسي مسؤول ومستدام.
كل خطوة إيجابية، مهما كانت محدودة، تُسهم في تعزيز التفاؤل وتبث روح الأمل بين جميع المكونات، وترسخ مفهوم الشراكة الوطنية القائمة على العدالة والحقوق المتبادلة.
هذه المواقف تعكس إدراكاً مشتركاً بأن الحلول السياسية الواقعية والقائمة على الحوار هي الطريق الأمثل لضمان الاستقرار والازدهار لجميع الأطراف، وتتيح المجال لصياغة مشروع وطني شامل يعزز الديمقراطية وسيادة القانون واحترام التعددية القومية والثقافية والدينية.
على الرغم من هذه الأرضية الإيجابية، لم تُعالج القضية الكوردية بعد معالجة جذرية وشاملة. فقد أثبتت التجارب السابقة أن الترقيعات السياسية والحلول الجزئية لا تؤسس لاستقرار دائم، بل تؤجل الأزمات وتعيد إنتاجها بأشكال أكثر تعقيداً.
كما أن المشهد الإقليمي والدولي المعقد يفرض ضرورة امتلاك رؤية سياسية وطنية واضحة ومرنة، قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بحكمة وفعالية، بعيداً عن التدخلات الخارجية وأجندات القوى الإقليمية والدولية.
إن المرحلة الراهنة تتطلب اتخاذ خطوات سياسية جريئة وواضحة، وعلى رأسها عقد مؤتمر كوردي وطني جامع. يُعد هذا المؤتمر إطاراً استراتيجياً لتوحيد الصف الكوردي وصياغة رؤية مشتركة، قادرة على التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية.
وليس الهدف من المؤتمر الاكتفاء بالرمزية، بل تكوين منصة حقيقية تُنتج قرارات ملموسة بشأن مستقبل القضية الكوردية، وشكل الإدارة السياسية، وطبيعة العلاقة مع المكونات الأخرى، وآليات حماية المكتسبات الوطنية، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التضامن والتفاهم بين جميع شعوب المنطقة.ينبغي أن يضم المؤتمر جميع القوى والأحزاب والتيارات والشخصيات الوطنية والمستقلة، وأن يرتكز على الحوار الديمقراطي، والاحترام المتبادل، وتوحيد الموقف السياسي.
كما يجب أن يشمل تحديد الأهداف بوضوح، بما في ذلك الخطوات المطلوبة لتحقيقها، مع الالتزام بالطرق السلمية والحضارية في إدارة الحوار السياسي، بعيداً عن مظاهر الحقد والكراهية أو المواقف المتشنجة، مع احترام حقوق الإنسان وحقوق جميع الشعوب والمكونات والأقليات، وتحمل المسؤولية الجماعية لضمان حماية هذه الحقوق.
يشكل احترام الحقوق القومية للشعب الكوردي، بما في ذلك حق تقرير المصير ضمن إطار الدولة، حجر الزاوية في أي رؤية مستقبلية، مع مراعاة مصالح جميع المكونات الأخرى لضمان بيئة سياسية عادلة ومستدامة.
ويُعدّ الأجمل والأكثر ملاءمة لمستقبل سوريا اعتماد نظام فيدرالي ديمقراطي يقوم على التعددية، ويضمن التمثيل الحقيقي لجميع القوميات والثقافات واللغات، ويتيح لكل مكون حقه في المشاركة الفاعلة في بناء الدولة الجديدة وفق مبادئ العدالة والكرامة والحرية.
إن هذه الرؤية تتطلب سلسلة من الخطوات الإيجابية المتكاملة، التي تعتمد على التعاون، التضامن، والحوار البناء بين جميع مكونات شعبنا، بما يحقق مصالح الجميع على أسس سياسية، اقتصادية، اجتماعية وإنسانية، بعيداً عن الصراعات الداخلية أو التدخلات الخارجية.
ويشمل ذلك تعزيز التواصل بين المجتمعات المحلية، تطوير سياسات مشتركة للتنمية، دعم المشاريع الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ووضع آليات عملية لتوحيد المواقف السياسية واتخاذ القرارات الوطنية المشتركة، بما يحقق الأمن والاستقرار والازدهار لكل شعوب المنطقة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الانقسام الداخلي يضعف الموقف الكوردي، وأن غياب المرجعية السياسية الموحدة يفتح المجال أمام التدخلات الخارجية ويحدّ من القدرة على تحقيق المكاسب.
ومن هنا فإن المؤتمر الوطني الجامع يمكن أن يشكّل فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين القوى الكوردية، وتعزيز الشراكة والتضامن مع المكونات الأخرى على قاعدة العدالة والمصالح المشتركة، بعيداً عن أي تدخلات خارجية.
كما أن نجاح هذا المؤتمر يتطلب إرادة سياسية صادقة، واستعداداً لتقديم التنازلات المتبادلة من أجل المصلحة العامة، ورؤية واقعية تستوعب تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.
فالمستقبل لن يُصنع بالشعارات وحدها، بل بالتخطيط المدروس والعمل المؤسساتي وتوحيد الطاقات نحو أهداف سلمية وإيجابية تخدم الجميع.
إن اللحظة الراهنة قد تكون من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ القضية الكوردية، لكنها في الوقت ذاته تحمل فرصاً حقيقية إذا ما أُحسن استثمارها.
ولذلك فإن الدعوة إلى مؤتمر كوردي وطني جامع ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة تاريخية تمليها التحديات القائمة وتطلعات الأجيال القادمة إلى مستقبل يسوده الأمن والكرامة والتفاهم والتعاون بين جميع شعوب المنطقة.




