✍️ خالد حسو
إنّ من يرفع الشعارات المعادية للكورد، ويحرّض ضد الشعب الكوردي وقضيته القومية المشروعة، أو يستهدف الأقليات القومية والمكونات الاجتماعية والأديان المختلفة، لا يسهم في بناء سوريا موحّدة ومستقرة، بل يعمّق الانقسامات، ويغذّي الكراهية، ويزرع بذور الصراع بين أبناء البلد الواحد.
فمن يريد وحدة سوريا حقًا، عليه أن يدافع عن حقوق جميع شعوبها ومكوناتها، لا أن ينكر هويتها، أو يحرّض عليها، أو يشكّك في انتمائها الوطني.
إنّ المشكلة لا تكمن في تعدد القوميات والثقافات والأديان، فالتنوع حقيقة تاريخية واجتماعية في سوريا، بل تكمن في العقلية التي تنظر إلى هذا التنوع باعتباره تهديدًا، وتحاول فرض هوية واحدة وثقافة واحدة ورؤية سياسية واحدة على الجميع. فالدول لا تصبح قوية بإنكار الاختلاف، وإنما تصبح قوية حين تحوّل هذا الاختلاف إلى أساس للشراكة والتكامل والعيش المشترك.
والشعب الكوردي ليس طارئًا على سوريا، ولا ضيفًا ينتظر من أحد الإذن له بالاعتراف بهويته. إنه شعب أصيل له تاريخه ولغته وثقافته وهويته القومية، وله حقوق مشروعة لا يجوز إنكارها أو الانتقاص منها. ومن حقه أن يعيش بحرية وكرامة، وأن يمارس حقوقه القومية والسياسية والثقافية، وأن تكون له مكانته الدستورية الواضحة في دولة ديمقراطية تضمن المساواة والعدالة لجميع أبنائها.
ومن هنا، لا بد من وضع الأمور في نصابها الصحيح: المطالبة بحقوق الشعب الكوردي ليست دعوة إلى تقسيم سوريا، والاعتراف بهويته القومية ليس انتقاصًا من هوية الآخرين، كما أن الدفاع عن اللغة والثقافة والحقوق القومية لا يتعارض مع المواطنة المتساوية. بل إنّ إنكار هذه الحقوق، وإثارة العداء ضد المطالبين بها، ووصمهم بالتقسيم لمجرد تمسكهم بهويتهم، هي ممارسات تزيد الاحتقان وتضعف الثقة بين مكونات المجتمع.
إنّ وحدة سوريا لا تُقاس بالشعارات التي يرفعها السياسيون، ولا بمدى قدرة السلطة على فرض إرادتها، وإنما بمدى شعور مواطنيها وشعوبها بالأمان والعدالة والانتماء والمشاركة الحقيقية في إدارة شؤون البلاد. فالوحدة التي تقوم على الإكراه والإنكار وحدة هشّة، أما الوحدة التي تستند إلى الاعتراف المتبادل والحقوق الدستورية والعدالة والمساواة، فهي الأقدر على الصمود والاستمرار.
ولذلك، فإنّ بناء سوريا الجديدة يتطلب عقدًا وطنيًا ديمقراطيًا يقرّ بالتعددية القومية والثقافية والدينية، ويضمن الحقوق القومية للشعب الكوردي، ويحمي حقوق جميع المكونات، ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات، بعيدًا عن الشوفينية والإقصاء والاستبداد. كما يتطلب الاعتراف بأنّ الاختلاف في الهوية أو اللغة أو الدين لا ينتقص من حق أي إنسان في المواطنة الكاملة والكرامة الإنسانية.
أما الذين يحرّضون على الكورد، ويهاجمون قضيتهم القومية، ثم يقدّمون أنفسهم مدافعين عن وحدة سوريا، فعليهم أن يدركوا أنّ الوحدة لا تُبنى باستعداء شعب من شعوب البلاد، ولا بتخوين أصحاب المطالب المشروعة، ولا بإعادة إنتاج سياسات الإنكار والإقصاء التي ألحقت أضرارًا جسيمة بالمجتمع السوري.
إنّ من يريد سوريا موحّدة عليه أن يقبل بها وطنًا لجميع أبنائها، لا ملكًا لقومية واحدة أو ثقافة واحدة أو تيار سياسي واحد. ومن يريد الاستقرار، فعليه أن يواجه خطاب الكراهية والتحريض، وأن يجعل الاعتراف بالحقوق والعدالة والمساواة أساسًا للعلاقة بين مكونات المجتمع.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات التي تفرّق السوريين، بل إلى مشروع وطني ديمقراطي يجمعهم على أساس الحرية والكرامة والحقوق المتساوية. ولا نحتاج إلى إنكار القضية الكوردية أو التقليل من شأنها، بل إلى معالجتها معالجة سياسية ودستورية عادلة تضمن حقوق الشعب الكوردي، وتعزّز الثقة والشراكة بين جميع مكونات سوريا.
فلتكن الحقيقة واضحة للجميع: الدفاع عن الحقوق لا يعني التقسيم، والاعتراف بالتعددية لا يعني التفكك، أما التحريض والإنكار والإقصاء فلا تصنع وطنًا موحّدًا، بل تفتح الأبواب أمام المزيد من الانقسام والصراع.
إنّ سوريا التي نريدها هي سوريا ديمقراطية، تعددية، عادلة، تقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف بالحقوق القومية والثقافية، وتحترم كرامة الإنسان وحق الشعوب في الحفاظ على هويتها. سوريا لا يُطلب فيها من الكوردي أن يتخلى عن هويته كي يثبت وطنيته، ولا يُطلب من أي مكوّن أن يتنازل عن حقوقه كي يُقبل شريكًا في وطنه.
وحدة سوريا الحقيقية تبدأ بالاعتراف بحقوق جميع شعوبها، وفي مقدمتها الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي. أما من يحارب هذه الحقوق باسم الوحدة، فعليه أن يراجع مفهومه للوطن والوحدة والشراكة الوطنية.




