آفرين علو – xeber24.net
للفيس: آلاف الأسر المهجَّرة تعود إلى ديارها بموجب اتفاقات “العودة”، فلا تجد سوى منازل يقطنها آخرون، وطلبات بدفع آلاف الدولارات لاستعادتها، وغياب كامل للحماية.
حين وطئت أقدام العائدين أرض عفرين، ظنّ كثيرون أن رحلة المعاناة قد انتهت. لكن ما وجدوه لم يكن بيوتًا فارغة تنتظر أصحابها، بل واقعًا جديدًا من الحرمان بدأ حيث انتهى التهجير.
تشير البيانات الرسمية إلى أن نحو سبعة عشر ألف أسرة عادت إلى عفرين وتم تسجيلها خلال الأشهر الماضية، غالبيتها من مناطق حلب والجزيرة. وبحلول حزيران/يونيو الماضي، بلغ عدد الأسر التي عادت عبر القوافل المنظمة نحو عشرة آلاف أسرة، موزعة على ثماني دفعات. وهكذا بدت صورة “العودة” وكأنها تسير بوتيرة متسارعة، لكن الأرقام تخفي وراءها حقيقة أكثر قسوة.
يكشف تقرير صادر عن شبكة “عفرين الآن” ضمن حملة “#بيتي_حقي” أن نحو ستمئة منزل في مدينة عفرين وريفها لا تزال محتلة من قِبل أشخاص مرتبطين بمؤسسات نافذة. وهؤلاء المحتلون ليسوا مواطنين عاديين، بل من ذوي النفوذ العاملين في وزارة الدفاع وهيئات رسمية أخرى.
ومن أبرز هذه الحالات، احتلال مدير مكتب التحقيقات الجنائية، حسين حمادي، بناية سكنية كاملة في وسط مدينة عفرين، ورفضه إعادتها إلى أصحابها الشرعيين. وقد ظلّت هذه البناية تحت سيطرة الفصيل الذي كان يقوده منذ حزيران/يونيو 2018، ولم تُعَدّ معظم شققها حتى اليوم. وفي حالة أخرى، استولى شخص يدعى محمد حمدان، يعمل في وزارة الدفاع، على أربعة منازل في حي الأشرفية، على الرغم من أن مقر عمله في دمشق.
ويشترط هؤلاء المحتلون على أصحاب البيوت الأصلية دفع مبالغ تتراوح بين ألفي وستة آلاف دولار مقابل “السماح” لهم باستعادة ما يملكونه أصلًا. وبالنسبة لعائلات أنهكتها سنوات التهجير، واستنزفت مدخراتها في رحلة العودة، فإن هذا المبلغ أشبه بحكم بالإعدام على حقها في السكن.
وتوجد في المنطقة مكتب مخصص لتلقي هذه الشكاوى، غير أن ناشطين محليين يؤكدون أنه “يواجه صعوبات بالغة في تنفيذ قرارات الإخلاء وإعادة الأملاك، بسبب نفوذ المحتلين”. بعبارة أخرى، القوة تغلب القانون.
لم تقتصر المعاناة على فقدان المأوى، بل امتدت إلى تهديد مباشر للحياة. ففي الثاني والعشرين من تموز/يوليو الماضي، قُتل عدنان محمد العطار، وهو رجل في السادسة والأربعين من عمره، أثناء تنقله من جنديرس إلى جرمة. وادّعت السلطات أنه لم يتوقف عند حاجز مؤقت، إلا أن عائلته أكدت أن تقرير الطب الشرعي يخالف هذه الرواية، واعتبرت ما حدث “تصفية مستهدفة”.
وبعد أقل من أسبوع، وفي الثامن والعشرين من الشهر نفسه، عُثر على عادل عبد الحنان نيسان، وهو رجل كردي في الخامسة والستين عاد حديثًا من التهجير، مقتولًا بطلقات نارية في أرض الزيتون التي يملكها. ووفقًا لمصادر محلية، وُجدت في موقع الجريمة ورقة تحمل عبارات عنصرية وتهديدات موجهة إلى الأكراد.
وتكتسب هذه الحوادث خطورتها من كونها وقعت في ظل اتفاق أُبرم في التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير الماضي، تعهّدت فيه السلطة الانتقالية بتوفير “بيئة آمنة” للعائدين. غير أن العائدين اكتشفوا بأرواحهم أن الوعود لا تُغني عن الحماية.
ولم يكن القتل الخطر الوحيد الذي يهدد العائدين، إذ تشير شهادات جمعتها منظمات حقوقية إلى أن كثيرين تعرضوا للاعتقال لحظة وصولهم إلى عفرين أو أثناء مرورهم بالحواجز. ويُحتجز هؤلاء في أماكن غير معلنة، من دون إخضاعهم للجهات القضائية، ومن دون تسجيل رسمي، ومن دون السماح لهم بالتواصل مع عائلاتهم أو محاميهم. وتترافق هذه الاعتقالات غالبًا مع إساءة جسدية وإذلال وابتزاز مالي، في نمط يصفه ذوو المعتقلين بأنه “المطالبة بالمال مقابل الإفراج”.
وقد لخّص أحد أصحاب الأملاك هذا الخوف بقوله: “حتى اليوم لم أعُد إلى منزلي، لأنني أخشى الاعتقال… وأعلم أنهم سيطالبونني بمبالغ ضخمة لإعادة ممتلكاتي”.
من حيث الأرقام، يبدو أن مسار العودة إلى عفرين يسير بخطى ثابتة. فمنذ كانون الثاني/يناير الماضي، انطلقت عدة قوافل من الحسكة والقامشلي أعادت آلاف الأسر إلى المنطقة، وكانت الدفعة الثامنة والأخيرة في العاشر من حزيران/يونيو تحمل نحو ألف أسرة، لتُعلن بذلك نهاية “العودة المنظمة” رسميًا.
لكن كلمة “النهاية” لا تعني شيئًا بالنسبة لعائلة عادت ولم تستطع دخول بيتها، أو لشخص أوقف عند حاجز ثم اختفى أثره، أو لآخر فضّل البقاء في المهجر خوفًا من مصير مماثل. فبالنسبة لهؤلاء، لم تنته رحلة العودة بعد.
وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قد أكد في تقييم له في آذار/مارس أن العودة إلى منطقة عفرين لا تزال مقيدة بـ”غموض الإجراءات، وتدهور الأوضاع الأمنية، والدمار الواسع في الممتلكات أو الاستيلاء عليها من جديد”. ويبقى هذا التوصيف صالحًا حتى اليوم.
وربما تلخّص عبارة واحدة قالها أحد العائدين حين وصلت القافلة إلى عفرين جوهر هذه المأساة: “لا نعرف ما هو مصيرنا. “




