Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

تقرير المصير حقٌّ لا يُلغي الآخر

مشاركة

✍️ كاتب وحقوقي خالد حسو

إن حق الشعوب في تقرير مصيرها ليس شعارًا سياسيًا عابرًا، ولا منحةً تمنحها سلطة لشعب وتحجبها عن شعب آخر، بل هو مبدأ راسخ في القانون الدولي. فقد نصّت المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على تنمية العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها. كما أكدت المادة الأولى المشتركة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها، وأن لها، استنادًا إلى هذا الحق، أن تحدد بحرية وضعها السياسي وأن تواصل بحرية نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وتقرير المصير، في جوهره، هو تعبير عن الحرية والكرامة والمساواة بين الشعوب. فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية إذا حُرم شعب من حقه في التعبير عن إرادته السياسية، أو فُرض عليه شكل من أشكال الحكم أو المستقبل السياسي دون إرادته الحرة، أو جرى التعامل معه باعتباره مجرد مكوّن تابع، لا شعبًا له هوية وحقوق وإرادة.

ومن هنا، فإن حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره ينبغي أن يُفهم في إطاره السياسي والقانوني والحقوقي والتاريخي، بعيدًا عن التخويف أو التشويه أو اختزاله في صراع مع الشعوب الأخرى. فالمطالبة بالحقوق القومية والسياسية والثقافية لا تعني العداء للآخر، والتمسك بالهوية القومية لا يعني إلغاء هوية أي شعب آخر أو الانتقاص من حقوقه.

إن الشعب الكوردي، شأنه شأن سائر الشعوب، له الحق في التعبير عن إرادته السياسية، والدفاع عن هويته وحقوقه القومية والثقافية واللغوية، والمشاركة في تحديد مستقبله السياسي. ولا ينبغي أن يكون هذا الحق موضع إنكار أو مصادرة لمجرد تعارضه مع حسابات سياسية أو مصالح إقليمية أو مخاوف أطراف أخرى.

وفي الوقت نفسه، فإن تقرير المصير لا يعني اضطهاد الآخرين، ولا يمنح أي شعب حق الهيمنة على شعب آخر. فالحرية التي نطالب بها لأنفسنا يجب أن تقوم على احترام حرية الآخرين وحقوقهم. ولا يمكن بناء مستقبل عادل على التمييز أو الإقصاء، كما لا يمكن استخدام حق تقرير المصير ذريعة لانتهاك حقوق الإنسان.

ولهذا، فإن التعايش السلمي لا يتعارض مع تقرير المصير، بل يمكن أن يكون أحد أسسه عندما يقوم على الاعتراف المتبادل والعدالة والمساواة. فالتعايش الحقيقي لا يعني أن يتخلى شعب عن هويته أو حقوقه، ولا يعني أن يقبل بالتهميش أو الوصاية، وإنما يعني أن يعيش الجميع على أساس المساواة في الحقوق، والاحترام المتبادل، والشراكة الحرة، وصون الكرامة الإنسانية.

ومن الخطأ أيضًا تصوير كل مطالبة بحق تقرير المصير على أنها مشروع للانفصال أو العداء أو تهديد للآخرين. فتقرير المصير مبدأ أوسع من نتيجة سياسية واحدة، بينما تختلف كيفية ممارسة هذا الحق باختلاف الظروف والسياقات السياسية والقانونية. والمهم أن تعبّر هذه الممارسة عن إرادة حرة، وأن تتم بالوسائل السلمية والديمقراطية، مع احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي.

إن القضية الكوردية، بهذا المعنى، ليست قضية عداء لشعب آخر، وإنما قضية شعب يطالب بالاعتراف بهويته وحقوقه، وبحقه في أن يكون صاحب إرادة وصوت وقرار في صناعة مستقبله وتحديد مصيره. والاعتراف بهذا الحق لا يعني إلغاء حقوق الآخرين، بل يمكن أن يشكل أساسًا لعلاقة سياسية جديدة تقوم على المساواة والاحترام المتبادل.

فلا يمكن تحقيق السلام الحقيقي من خلال إنكار الحقوق، ولا يمكن بناء الاستقرار على مصادرة إرادة الشعوب. فالسلام المستدام يحتاج إلى عدالة، والعدالة تحتاج إلى اعتراف، والاعتراف الحقيقي يبدأ باحترام حق الشعوب في أن تعبّر عن إرادتها وأن تسهم بحرية في تحديد مستقبلها.

إن حق تقرير المصير ليس إعلانًا للعداء، والاعتراف بالهوية ليس إلغاءً للآخر، والحرية ليست تهديدًا للتعايش. بل إن التعايش الأكثر رسوخًا هو ذلك الذي يقوم بين شعوب وأفراد متساوين في الكرامة والحقوق، لا على أساس الهيمنة أو الإنكار أو الإكراه.

وفي النهاية، فإن احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها هو احترام لمبدأ الحرية والكرامة والمساواة. وكلما جرى التعامل مع هذا الحق بمنطق القانون والحوار والديمقراطية، بعيدًا عن التخوين والتخويف والإقصاء، أصبح بالإمكان بناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا، تتعايش فيه الشعوب على أساس الحرية والمساواة والاعتراف المتبادل.

مراجع قانونية أساسية:

  • ميثاق الأمم المتحدة، المادة الأولى، الفقرة الثانية.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة الأولى.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة الأولى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى