مجموع

تفكك المجتمع السوري بين العنف الرمزي وتآكل الروابط الإنسانية

مشاركة

خالد حسو

تشهد الحالة السورية خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة في البنية الاجتماعية، لم تعد تُختزل في كونها أزمة سياسية أو صراعًا على السلطة، بل امتدت لتطال النسيج الاجتماعي نفسه، حيث يعاد تشكيل العلاقات بين الأفراد على أسس يغلب عليها التوتر والريبة والانقسام.

ولا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند مفهوم “العنف الرمزي”، بوصفه أحد أكثر أشكال العنف خفاءً واستمرارية، والذي يتجلى في اللغة والخطاب وأنماط التصنيف الاجتماعي.
فهو لا يُمارَس عبر القوة المباشرة، بل عبر إعادة إنتاج تصورات ذهنية تُرسّخ التمييز والإقصاء، وتحوّل الاختلاف إلى معيار للفرز الاجتماعي بدل أن يكون عنصر تنوع طبيعي.
وقد أسهمت الخطابات السياسية والإعلامية والاجتماعية في ترسيخ هذه الأنماط، بحيث أصبح تعريف الذات والآخر محكومًا بحدود ضيقة وصلبة.

في هذا السياق، برزت داخل المجتمع السوري أنماط متزايدة من السلوك الإقصائي والتفكير المتشدد، ما أدى إلى تآكل البنى التقليدية التي كانت تنظّم العلاقات داخل الأسرة والحي والمدينة، لصالح علاقات أكثر هشاشة تقوم على الشك وإعادة إنتاج الانقسام.
ولم يعد الاختلاف يُنظر إليه كمساحة طبيعية للتعدد، بل كسبب مباشر لإعادة رسم الحدود بين الأفراد والجماعات.

ومع استمرار هذا المسار، تراجعت آليات الضبط الاجتماعي غير الرسمية مثل الثقة والاحترام المتبادل وأعراف التعايش اليومي، لصالح أنماط من التفاعل تقوم على رد الفعل والانفعال.
كما جرى استدعاء مختلف أشكال الانتماءات الضيقة بشكل متزايد، سواء كانت قومية أو دينية أو سياسية أو اجتماعية أو جغرافية، بما في ذلك الانتماءات المحلية والفرعية، الأمر الذي أسهم في تعميق الفجوة بين مكونات المجتمع وكذلك بين مختلف القوميات والثقافات واللغات والأعراق الأديان، وحوّل التنوع من مصدر قوة محتمل إلى عامل توتر دائم.

الأخطر في هذا التحول أنه لم يبقَ محصورًا في المجال العام، بل امتد إلى المجال الخاص، حيث تسللت الانقسامات إلى داخل الأسرة نفسها، وأصبح الاختلاف في الرأي سببًا لإعادة تشكيل العلاقات أو قطعها، بدل أن يكون مدخلًا للحوار. وبهذا المعنى، لم يعد الصراع مجرد صراع سياسي، بل صار صراعًا على تعريف الهوية ذاتها وحدود الانتماء.

ورغم قتامة المشهد، لا يزال المجتمع يحتفظ بمساحات من التماسك الإنساني، وإن كانت محدودة ومجزأة، إلا أنها تكشف عن إمكانية كامنة لإعادة البناء.
غير أن تجاوز هذا الواقع يتطلب ما هو أعمق من الحلول الظرفية، إذ يستلزم تفكيك البنى الخطابية التي أعادت إنتاج الكراهية، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه قيمة مشتركة تتجاوز الانتماءات الأولية.

وفي هذا الإطار، يصبح أي مسار سياسي مستقبلي مرتبطًا بضرورة صياغة عقد اجتماعي ودستوري جديد، يقوم على المواطنة المتساوية، وضمان الحقوق والحريات، والاعتراف بالتعددية القومية والدينية والثقافية السورية دون إقصاء، بما يعزز منطق الشراكة بدل الاستبعاد، والعدالة بدل الهيمنة والتهميش واحترام الإنسان وحقوقه وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره.

إن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة إنتاج أسبابها، بل عبر تفكيك خطاب الكراهية وإعادة بناء الثقة الاجتماعية على أسس عقلانية وإنسانية، تسمح باستعادة المجتمع لقدرته على التماسك، وتعيد للإنسان مكانته كفاعل اجتماعي، لا يُختزل في هوية واحدة، بل يعيش تعدديته داخل فضاء مشترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى