مجموع

خرائط الدم في سوريا: من الجريمة الجنائية إلى الاحتقان الهوياتي

مشاركة

آفرين علو ـ xeber24.net

لم تعد الحرب في سوريا تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة أو حجم العمليات العسكرية، بل باتت تُقاس أيضاً بقدرة المجتمع على الصمود أمام موجة متصاعدة من الجرائم والعنف الأهلي، في ظل انتشار السلاح وتراجع سلطة القانون وتآكل الثقة بالمؤسسات.كشفت المؤشرات الأمنية والحقوقية المسجلة خلال عام 2026 عن تحوّل مقلق في طبيعة العنف داخل سوريا.

فبعد سنوات من انحسار المعارك الواسعة بين القوى العسكرية، لم يتجه المشهد نحو الاستقرار بالقدر المتوقع، بل ظهرت أنماط جديدة من العنف قوامها جرائم القتل والخطف والاغتيال والثأر والسطو المسلح، في ظل بيئة تعاني من هشاشة أمنية واقتصادية عميقة.

هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه مجرد ارتفاع اعتيادي في معدلات الجريمة، بل باعتباره مؤشراً على أزمة أعمق تمس بنية الدولة والمجتمع معاً، خصوصاً في المناطق ذات التنوع الطائفي والعشائري، حيث تتحول الخلافات الفردية أو الجرائم الجنائية بسرعة إلى توترات جماعية تحمل أبعاداً هوياتية تهدد ما تبقى من السلم الأهلي.

خلال الأشهر الأخيرة، وثقت منظمات حقوقية وشبكات رصد محلية مئات حوادث القتل والخطف والاغتيال في مختلف المحافظات السورية.

وتشير المعطيات إلى أن العنف لم يعد محصوراً في مناطق النزاع التقليدية، بل امتد ليشمل دمشق وريفها، ودرعا، والسويداء، وحمص، وحماة، والساحل السوري، وصولاً إلى دير الزور والرقة وإدلب.

وخلال شهر تشرين الثاني وحده، وثّقت عشرات الجرائم التي أودت بحياة عشرات المدنيين، تنوعت بين عمليات سطو انتهت بالقتل، وخطف لأجل الفدية، واغتيالات نفذها مجهولون، إضافة إلى نزاعات عائلية وعشائرية تحولت إلى مواجهات مسلحة، وجرائم ثأرية، وأخرى استهدفت نساء وأطفالاً داخل منازلهم.

تشير التقديرات الحقوقية المحدثة حتى نهاية أيار 2026 إلى مقتل ما يقارب 1462 شخصاًخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، بينهم أكثر من 833 مدنياً، فيما سجلت نحو 201 جريمة قتل جنائية مباشرة أودت بحياة أكثر من 222 شخصاً.

تبدو خطورة المشهد أكثر وضوحاً في المناطق التي تتميز بتنوعها الاجتماعي والطائفي والعشائري، إذ لا تبقى الجريمة فيها محصورة بإطارها الجنائي، بل تصبح قابلة للتحول إلى أزمة مجتمعية أوسع.

في الجنوب السوري، وتحديداً في درعا والسويداء، تواصلت عمليات الاغتيال والخطف وطلب الفدية، بالتوازي مع توترات اجتماعية متكررة. كما حذرت تقارير أممية من التداعيات الخطيرة للمواجهات التي شهدتها السويداء وما رافقها من استهدافات مرتبطة بالهوية والانتماء.

أما في أرياف حمص وحماة، فقد ساهمت هشاشة الوضع الأمني وانتشار الجماعات المسلحة المحلية في خلق بيئة تتداخل فيها دوافع الجريمة الجنائية مع التوترات المجتمعية.

ومع غياب آليات فعالة للعدالة، تلجأ العائلات والمجموعات المحلية إلى الأعراف والردود الانتقامية.

أصبح الساحل السوري نموذجاً معقداً لتداخل العامل الأمني مع المخاوف الهوياتية. فإلى جانب نشاط عصابات السلب والخطف، شهدت المنطقة حوادث عنف واستهدافات أثارت قلقاً واسعاً، وسط تحذيرات حقوقية من أن استمرار غياب المساءلة قد يفتح الباب أمام دورات متجددة من العنف المتبادل.

لا يقتصر الخطر على الجرائم المنظمة فقط، بل يظهر أيضاً في الانتشار الواسع للسلاح بين المدنيين.

فبحسب الإحصاءات الحقوقية، قُتل 76 شخصاً وأصيب 65 آخرون خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 نتيجة الرصاص الطائش، وبين الضحايا 28 طفلاً وأربع نساء.

ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في مضاعفة أثر الحوادث الأمنية، حيث تنتشر الجريمة خلال دقائق إلى آلاف المستخدمين، وغالباً ما تُقدَّم ضمن سرديات قائمة على الانتماءات والهويات. ومع ضعف الثقة بالروايات الرسمية، تجد الشائعات وخطابات الكراهية مساحة واسعة للانتشار.

تكشف الوقائع المتراكمة أن سوريا لا تواجه أزمة أمنية فحسب، بل أزمة ثقة عميقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

فبديل العدالة ليس الاستقرار، بل دورة جديدة من العنف قد تجد في كل أزمة اقتصادية أو أمنية شرارة لإعادة الاشتعال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى