مواجهة المخطط أو خسارة الجغرافيا نحو استراتيجية كوردية واضحة
لا أطرح ما يلي بوصفه تعبيرًا عن يأس أو رهبة، بل باعتباره قراءة واقعية لاحتمالات قائمة ينبغي أن تُبنى عليها مواقفنا وخياراتنا القادمة بوعيٍ وحذر. فقد تعرّض الشعب الكوردي في غربي كوردستان إلى خيانة سياسية واضحة سبقت استهداف قوات قسد نفسها، ارتكبتها الحكومة السورية الانتقالية بدعمٍ إقليمي فاضح، وفي ظل صمت دولي مريب ما يزال مستمرًا، والأكثر غرابة أن إسرائيل لم تخرج عن هذا الصمت.
في المقابل، تقف قوات قسد بصمود يرقى إلى مستوى الحدث التاريخي، صمودٌ أعاد إنتاج وحدة كوردستانية نادرة لم يعرفها الوعي الكوردي الحديث إلا في زمن القائد الخالد ملا مصطفى بارزاني، ثم في استفتاء عام 2017 لإقليم كوردستان الفيدرالي.
وفي هذا المناخ، يبدو أن توماس باراك لم يأتِ إلى الإقليم الفيدرالي الكوردستاني خالي الوفاض، بل حمل معه، على الأرجح، حزمة مطالب تركية وربما إملاءات دولية، إلى جانب ما يراه مناسبًا لأجندته الخاصة، وجميعها تصب في مصلحة الحكومة السورية الانتقالية، وستُقدَّم إلى قوات قسد تحت عناوين سياسية ودبلوماسية متعددة، في محاولة لإعادة صياغة المشهد على حساب القضية الكوردية وحقائق الصمود على الأرض.
أول هذه المطالب يتمثّل في إعادة فتح باب الحوار على أساس اتفاقية 10 آذار، التي تعطّلت عمليًا بعد خرق اتفاق 1 نيسان، وما تلاه من جرائم وانتهاكات جسيمة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، فضلًا عمّا يجري الآن من انتهاكات في غربي كوردستان، بل وفي عموم سوريا، بما يمسّ كل القيم. وهذا المسار يجب أن يُرفض رفضًا قاطعًا، ليس فقط من قبل قوات قسد والحراك الكوردي في غربي كوردستان، بل أيضًا من قبل حكومة إقليم كوردستان، لما يحمله من مخاطر استراتيجية على مجمل القضية الكوردية.
المطلب الثاني، أو ما سيُطلب لاحقًا، يتمثّل في تنازل قسد عن حقول النفط والغاز، في إطار شرط إخلاء مناطق من محافظتي دير الزور والرقة. وهنا بدأت حكومة الجولاني بتحريض العشائر العربية، وبدعمٍ تركي، واستهداف العشائر العربية المنضوية تحت قيادة قسد في تلك المناطق، بوصف ذلك مدخلًا لإضعاف قسد من الداخل.
أما الخطوة الثالثة، فستكون حملة سياسية وإعلامية مشتركة يقودها توماس باراك مع تركيا والحكومة السورية الانتقالية، لتسويق فكرة أنهم لبّوا «مطالب الشعب الكوردي» عبر المرسوم الرئاسي رقم 13، وأن قوات قسد ليست معنية بالقضية الكوردية، في محاولة لإظهارها أمام دول التحالف على أنها قوة «خارجية» لا تمثل الكورد، ولا تملك شرعية شعبية.
وفي هذه المرحلة، كما في الأشهر الماضية، ستستمر عملية تغذية وزارة الدفاع السورية بالسلاح والعتاد من قبل تركيا والسعودية وقطر، استعدادًا لتوسيع جبهة المعارك ضد قوات قسد، فيما سيغضّ توماس باراك الطرف عن هذه الوقائع، ويقدّم تقارير متناقضة أو مغايرة لتقارير وزارة الدفاع الأميركية نفسها. ومع مرور الوقت، سيظهر اختلال واضح في توازن القوى، بما ينعكس سلبًا على قدرة التحالف الدولي في محاربة الإرهاب، ولا سيما مع انكشاف الوجه الإرهابي لحكومة الجولاني مع كل خطوة تحققها في معاركها، سواء ضد العلويين أو الدروز أو الشعب الكوردي.
في المحصّلة، يكرّس توماس باراك معظم جهوده لتحقيق هدف التطبيع بين سوريا وإسرائيل، بعد أن جرى دفع حكومة الجولاني، وبموافقة تركية صريحة، إلى التنازل عن مزيد من الأراضي في الجنوب السوري مقابل الدعم السياسي والعسكري الذي تحظى به في حربها ضد قوات قسد، وفي سياقٍ موازٍ لتهميش القضية الكوردية كما ظهر بوضوح في المرسوم الرئاسي رقم 13.
وهذا التغاضي ليس تفصيلًا عابرًا، بل عامل بالغ الخطورة سيفتح الباب قريبًا أمام انفجارات إقليمية جديدة، إن لم يتم الحد من تجاوزات حكومة الجولاني، وكبح المنظمات التكفيرية التي تستند إليها تركيا في محاربة قسد والشعب الكوردي.
وعلى الرغم من أن الطرف الرئيس في إدارة دونالد ترامب، إلى جانب دول التحالف، يدرك إدراكًا كاملًا ما قد تؤول إليه بنية نظام الحكم الجاري تشكّله في سوريا، وكيف يمكن أن يتحوّل إلى منبع دائم للإرهاب الديني ومنصّة لإعادة تصدير الجهاديين إلى العالم، بما يشكّل تهديدًا مستدامًا للأمن الإسرائيلي، فإن الغموض ما يزال يكتنف حقيقة المصالح الأميركية في التغاضي عن هذا الصعود المريب، بل وفي تقديم دعم غير مفهوم لحكومة الجولاني ذات السجل الغارق في الإرهاب.
وتزداد هذه الضبابية حين يُستحضر الإدراك المسبق لإدارة ترامب بمدى تورّط الجولاني وقيادات حكومته في سفك دماء جنود أميركيين خلال الأعوام 2003–2006، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال سياسي بالغ الخطورة: هل يجري هذا التغاضي في سياق هندسة قوة تكفيرية سنّية تُستخدم أداةً لمواجهة أذرع إيران الشيعية في المنطقة؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى توظيف الإسلام في أكثر صوره ظلامية بوصفه فزّاعة دائمة لإدارة التوازنات الإقليمية، ولو كان الثمن استقرار سوريا والمنطقة برمّتها؟
لذلك، نرى أن مواجهة قوات حكومة الجولاني بحزم وقوة لم تعد خيارًا تكتيكيًا، بل أصبحت ضرورة شرعية لتفادي الوقوع في شرك المخطط الذي يُحاك على حساب الشعب الكوردي وقضيته. وبالتوازي، بات من الضروري إعادة صياغة سقف مطالب قوات قسد ضمن رؤية سياسية قومية واضحة، لا تختزل القضية في ترتيبات أمنية أو إدارية مؤقتة.
وفي هذا السياق، فإن أي تفاوض يجب أن يجعل إعادة عفرين وكري سبي وسري كانيه أولوية مركزية، باعتبارها جغرافية متصلة لا تنفصل عن محيطها الطبيعي. كما ينبغي اعتماد الهيئة الكوردية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو بوصفها الجهة التفاوضية الأساسية في جميع الحوارات عن الجانب الكوردي، مع إعادة النظر في التقسيم الإداري للمنطقة الشمالية الشرقية، وتحديد جغرافية غربي كوردستان بدقة سياسية وجغرافية واضحة، بما يقطع الطريق على مشاريع الالتفاف، ويؤسّس لمسار تفاوضي قائم على الحقوق القومية لا على الوقائع المفروضة بالقوة.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
17/1/2026م
110




