مجموع

إحاطة إعلامية-حقوقية حول الانتهاكات الجسيمة والوضع الإنساني في الشيخ مقصود والأشرفية – حلب “منصة تآزر”

مشاركة

تفيد معطيات موثّقة بوقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، شملت الإهانات العلنية، والتهديد، والاعتقال التعسفي، والمعاملة المهينة، وذلك استناداً إلى إفادات شهود ومقاطع مصوّرة جرى التحقق منها.

وتُظهر التسجيلات المصوّرة تعرّض مدنيين جرى تجميعهم واحتجازهم لإهانات مباشرة وتهديدات، ووصمهم/ن بأوصاف مهينة تحطّ من الكرامة الإنسانية. ففي أحد المقاطع، على سبيل المثال، يظهر احتجاز عشرات المدنيين، بينهم نساء، في وضع جماعي مهين، بينما يتنقّل المصوّر بينهم مطلقاً عبارات ازدراء ذات طابع تحريضي، قال فيها حرفياً: «هذه أسيرات وأسرى الخنازير»، و«الحمد لله الذي أذلّهم ونصر عبده»، و«هؤلاء مشاريع الفدرالية»، و«هؤلاء الخنازير، الملاحدة»، و«كلاب قنديل». ويقترن هذا الخطاب بتهديدات صريحة وتوعّد بمحاسبة المحتجزين/ات خارج أي إطار قانوني.

كما يثير القلق ظهور تدخّلات لعناصر من “الجيش السوري” طالبت بوقف التصوير، دون اتخاذ إجراءات واضحة لوقف الانتهاكات أو مساءلة مرتكبيها، ما يعكس نمطاً خطيراً يركّز على منع التوثيق بدلاً من منع الجريمة نفسها.

في السياق ذاته، انتشرت تسجيلات أخرى توثّق انتهاكات بالغة الخطورة، من بينها إلقاء جثة مقاتلة كُردية من أعلى أحد الأبنية في الشيخ مقصود على وقع صيحات التكبير والتهليل، وسحل جثة شخص آخر يرتدي جعبة عسكرية على درج أحد المباني، إضافةً إلى مشاهد لإهانة أشخاص أثناء احتجازهم. وتشكل هذه الأفعال انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وتمس بشكل مباشر مبدأ الكرامة الإنسانية وحظر المعاملة القاسية أو المهينة، كما تشكّل اعتداءً صريحاً على حرمة الموتى وحقوق ذويهم.

إلى جانب ذلك، تعرّض حيّا الشيخ مقصود والأشرفية لقصف استهداف أعياناً ومنشآت مدنية، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين، من بينهم 45 شهيداً، بينهم نساء وأطفال، إضافةً إلى أكثر من 120 جريحاً، وألحق أضراراً جسيمة بالمنازل والممتلكات. ولم يقتصر القصف على المواقع التي جرى الإعلان عنها رسمياً، بل طال مواقع مدنية أخرى لم يُعلن عنها، في انتهاك واضح لمبدأي التمييز وحماية الأعيان المدنية.

كما يجري التحقق من حالات فقدان أو إخفاء قسري لـ 526 شخص، بينهم 29 امرأة، لا تزال مصائرهم/ن مجهولة حتى الآن، في ظل غياب أي معلومات رسمية بشأن أماكن وجودهم/ن أو مصيرهم/ن، أو أي قنوات تواصل تتيح للأهالي معرفة مصير أبنائهم وبناتهم.

أسفرت العمليات العسكرية وما رافقها من قصف وانتهاكات عن موجة نزوح واسعة النطاق، حيث تشير المعطيات المتقاطعة إلى نزوح أكثر من 160 ألف شخص من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية باتجاه منطقة عفرين وأحياء أخرى في مدينة حلب. كما جرى تهجير 292 عائلة، يزيد عدد أفرادها على ألف شخص، إلى مناطق شمال شرق سوريا، في ظروف إنسانية قاسية وغياب أي ضمانات للحماية.

ولا يمكن النظر إلى الانتهاكات الجسيمة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بوصفها أحداثاً فردية أو معزولة، إذ تتقاطع أنماط المعاملة المهينة، والاعتقال التعسفي، وانتهاك الكرامة الإنسانية، مع ممارسات سبق توثيقها في مناطق سورية أخرى، بما في ذلك الساحل والسويداء، ما يشير إلى وجود نهج ممنهج في التعامل مع المدنيين.

وتندرج هذه الانتهاكات ضمن سياق تصعيد عسكري وأمني شهده الحيّان ابتداءً من 6 كانون الثاني/يناير 2026، عقب بدء عمليات عسكرية نفذتها قوات “الجيش السوري” في المنطقة، وانتهت بالسيطرة على الحيّين بتاريخ 10 من الشهر نفسه، بعد مواجهات دامية مع قوات الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.

في ضوء الانتهاكات الجسيمة والواسعة النطاق الموثّقة، وما تكشفه من أنماط متكررة ومنهجية، تعكس هذه الوقائع خللاً بنيوياً خطيراً في احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وتستوجب استجابة عاجلة وشاملة، قبل الانتقال إلى أي نقاشات لاحقة تتعلق بالاستقرار أو العودة، وذلك من خلال:
▪️ الوقف الفوري لجميع أشكال الانتهاكات بحق المدنيين.
▪️ ضمان حماية المدنيين من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، واحترام الكرامة الإنسانية.
▪️ فتح تحقيقات مستقلة وشفافة وذات مصداقية في جميع الانتهاكات الموثّقة، وفق المعايير الدولية.
▪️ محاسبة علنية لجميع المسؤولين عنها، أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
▪️الكشف الفوري عن مصير جميع المفقودين/ات والمحتجزين/ات، وتوفير معلومات واضحة للأهالي.
▪️ إشراك ممثلي السكان بشكل حقيقي في أي ترتيبات أمنية أو إدارية تمس حياتهم وحقوقهم.

إن استمرار هذه الانتهاكات في ظل غياب المساءلة يشكّل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويقوّض أي مساعٍ جدية للاستقرار أو العودة الآمنة، كما يكرّس الإفلات من العقاب كسياسة أمر واقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى