جولة الصحافة

تركيا.. التعديلات الانتخابية في صالح حكومة حزب العدالة والتنمية، أم ضدّها؟

تركيا.. التعديلات الانتخابية في صالح حكومة حزب العدالة والتنمية، أم ضدّها؟

صادقت الجمعية العامة للبرلمان التركي على حزمة التعديلات التي شملت قانون الانتخابات والأحزاب السياسية، وتتألف من 26 مادة عُدّلت وفق ما نص عليه التحالف القائم بين حزبي العدالة والتنمية الحاكم، والحركة القومية المعارض، أو ما يعرف باسم “اتفاق الجمهور”. حزمة التعديلات المذكورة تم تمريرها بأصوات الأعضاء المنتمين للحزبين، في جلسة مثيرة للجدل عقدت بشكل أشبه ما يكون بـ”عملية مداهمة ليلية”.

إدراج حزمة التعديلات على جدول أعمال يوم الاثنين الذي لا يعتبر يوم عمل طبيعي للجمعية العامة بالبرلمان، وتمريرها، أمر شبهته أحزاب المعارضة بـ”عملية انتشال متاع من حريق، واختطاف صندوق من ناخب”، بل واعتبروا القانون بعد تمريره أشبه ما يكون بـ”قانون أعمال ظلامية في ليلة ظلماء”.
رئيس حزب الحركة القومية، دولت باهجه لي، الذي وقع على مقترح قانون التعديلات المذكورة، مع رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، وجّه نواب الحزب بضرورة التواجد في الجمعية العامة للبرلمان حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، وكأنهم في نوبة حراسة.
وكان الهدف من اختيار يوم الاثنين بالذات، هو أن تلفاز البرلمان لا يعمل في هذا اليوم، ما يعني أن النقاشات والصدامات التي جرت في الجمعية العامة، والانتقادات التي وجهها المتحدثون باسم المعارضة، وغيرها من الكلمات التي ألقوها لرفض تلك التعديلات، لم تبث على الشاشات مباشرة، بل لم يتم تسجيلها من الأساس.
حينما قدم مقترح التعديلات المذكورة، إلى الجمعية العامة، قيل إنه سيتم إدراجها على جدول أعمال يوم الاثنين، على أن يتم نقاشها وتناولها على مدار ثلاثة أيام من الثلاثاء إلى الخميس؛ إلا أن هذا القرار تغير في لحظة بموجب اقتراح قدمه حزب الحركة القومية لحزب العدالة والتنمية، وبناء على ذلك تم عرض المقترح على الجمعية العمومية في ساعات المساء من يوم الاثنين.
وأثناء استمرار نقاش المقترح في الجمعية العمومية، وعندما أشارت عقارب الساعة إلى تمام الثانية عشر ليلاً، ظهر دولت باهجه لي مرة ثانية في واجهة المشهد، وعندها قرر استمرار انعقاد الجمعية العمومية لحين الموافقة على المقترح بأكمله. وبهذا الشكل تمت الموافقة على كافة التعديلات التي نص عليها المقترح في الرابعة من فجر اليوم التالي، ليتم تمريرها من المجلس.
وصل أمر الإسراع من عملية التصديق على التعديلات، لدرجة امتناع نواب العدالة والتنمية، والحركة القومية عن استخدام حقهم في الكلمات، ومن ثم تم إقرارها في 19 ساعة من الزمن، أي أن المدة التي استغرقتها كل مادة من المواد المعدلة، كانت أقل من ساعة واحدة.
هذه التعديلات ستدخل حيز التنفيذ بمجرد التصديق عليها من رئيس البلاد، رجب طيب أردوغان، ونشرها في الجريدة الرسمية. ومن المتوقع ألا يستخدم أردوغان المدة المقررة لمراجعة التعديلات، والتي تبلغ 15 يومًا، سيصدق فورًا عليها، لتنشر في الجريدة الرسمية في أسرع وقت ممكن. وهكذا يكون أردوغان قد قدم هدية من شأنها إنقاذ دولت باهجه لي من خطر عدم تجاوز العتبة الانتخابية، لا سيما أن هذا الرجل ينتظر انتخابه مجددًا لرئاسة الحركة القومية في المؤتمر العام الكبير الـ12 يوم 18 مارس الجاري.
وإذا اقتضت الضرورة التذكير مرة أخرى، يمكننا فيما يلي عرض التعديلات الجديدة بخطوطها العريضة، تلك التعديلات التي تعرف لدى الرأي العام التركي باسم “قانون تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية” أو “اتفاق الجمهور”:
• يحق للأحزاب السياسية خوض الانتخابات من خلال إقامة تحالفات.
• إذا دخل التحالف الانتخابات، وتخطى حاجز الـ10 في المائة، فإن هذا يعني تخطي كل الأحزاب المتحالفة لذات الحاجز.
• سوف تظهر الأحزاب التي تقوم بتحالف انتخابي، على ورق الاقتراع بأسمائها وشعاراتها “تحت عنوان التحالف أو اسمه إن وجد”.
• الحزب الذي يتحالف مع حزب ما، يمكنه إعداد قائمة مشتركة مع حزب آخر، وخوض الانتخابات على هذه القائمة.
• الأحزاب المتحالفة ستقدم للجنة العليا للانتخابات البرتوكول الذي وقعه زعماؤها في غضون 7 أيام على الأقل اعتبارًا من بدء التقويم الانتخابي.
• سيعتد بالأوراق الانتخابية التي ختمها الناخبون سواء بختم أي حزب من الأحزاب المتحالفة، أو بأختام مختلفة تخص كل حزب على حدة.
• العضو بأي حزب سياسي يمكن أن يكون مرشحا كنائب بالبرلمان من خلال قائمة حزب آخر حتى دون الاستقالة من حزبه الأول.
• الهيئة العليا للانتخابات يمكنها إصدار قرار بنقل صناديق الانتخاب، ودمج مناطق تلك الصناديق ببعضها البعض، وذلك في الحالات التي ترى أنها تقتضي ذلك.
• قوات إنفاذ القانون سيكون بمقدورها القدوم لمحيط صناديق الانتخاب؛ بموجب استدعاء من المواطنين، واتخاذ التدابير اللازمة.
• الناخبون المقيمون في نفس العنوان وبنفس البناية، يمكن تسجيلهم في مناطق صناديق مختلفة عن بعضها البعض شريطة أن تكون إقامتهم في نفس المنطقة الانتخابية التي بها الصندوق.
• رؤساء لجان الصناديق سيتم تحديدهم بالقرعة من بين الموظفين العموميين.
• أوراق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية والنيابية سيتم وضعها في مظروف واحد.
• سيتم فرز أصوات الانتخابات الرئاسية أولا.
• في الانتخابات المحلية، سيتم وضع الأصوات الخاصة بمنصب رئاسة البلدية، وعضوية المجلس البلدي، ومنصب المختار، في مظروف واحد.
• سيتم فرز واحتساب الأوراق الانتخابية والمظاريف غير المختومة شريطة أن تكون عليها العلامة المائية للجنة العليا للانتخابات.
• السن الانتخابي في الإدارات المحلية سيكون 18 عامًا.
• الناخب غير القادر على مغادرة السرير لمرض أو إعاقة، يمكنه التصويت حيثما وجد، أو في منزله من خلال لجان الصناديق المتنقلة التي سيتم تشكيلها.
كمال قلجدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، وجّه انتقادات شديدة اللهجة لمقترح التعديلات المذكورة، خلال كلمة له في اجتماع الكتلة النيابية لحزبه. وزعم في تصريحاته أن أردوغان وباهجه لي عقدا “تحالفًا لإنقاذ بعضهما البعض”، بل وزاد بالقول “هذه التعديلات بمثابة اغتصاب لإرادة الناخبين، وتحكم في الصناديق الانتخابية، واتجاه للفوز بالانتخابات عبر الحيل والألاعيب”. ولفت قلجدار أوغلو إلى أن الاعتداد بالأصوات والمظاريف غير المختومة، وفق التعديلات الجديدة، “دليل على عدم مشروعية” استفتاء التعديلات الدستورية الذي شهدته تركيا في 16 أبريل 2017.
وفيما يلي نعرض الاعتراضات السبع التي ساقها قلجدار أوغلو رفضًا للتعديلات الجديدة:
1. التمثيل غير العادل في ازدياد، والإرادة الوطنية تغتصب.
2. العتبة الانتخابية مستمرة وفي ازدياد فعلي. والقوانين التي أتى بها انقلاب 12 سبتمبر 1980 العسكري، هي التي سنت عتبة للانتخابات بنسبة 10%، وانقلابيو 20 يوليو يدافعون عن هذا، وقد أتوا في جعبتهم بعتبتين انتخابيتين، واحدة بنسبة 10%، والأخرى بنسبة 51%.
3. تلك التعديلات منافية لمبدأ تكافؤ الفرص الذي نص عليه الدستور، وفي ظلها لم تعد هناك عدالة في التمثيل الانتخابي.
4. هذا المقترح الخاص بالتعديلات المذكورة سيقضي على الأمن الانتخابي، وهذا يعني الاعتداد بالأوراق الانتخابية غير المختومة التي لم يعتد بصحتها في استفتاء أبريل 2016.
5. المقترح المذكور يعتبر استعدادا انتخابيا فيه نوع من الترهيب. فوفق التعديلات التي أقرها تستطيع قوات الشرطة الدخول إلى منطقة الصناديق الانتخابية.
6. يهدف هذا المقترح لتقليل وتقييد الرقابة على الأحزاب السياسية. وموظفو السلالة الحاكمة، هم من سيتولون مهمة الرقابة على الصناديق الانتخابية.
7. الوالي من حقه أن يضع الصندوق الانتخابي في المكان الذي يريد.
أوزغور أوزال، نائب رئيس الكتلة النيابية لحزب الشعب الجمهوري، ذكر أنهم يعتزمون رفع دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية؛ لإلغاء تلك التعديلات، لكنهم ينتظرون نشرها في الجريدة الرسمية.
في ذات السياق زعم سزائي تمللي، الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي، أن حزب العدالة والتنمية، والحركة القومية “قاموا بسن تشريع وكأنهم ينتشلون متاعًا من وسط حريق، ولا يعنيهم إن كان ذلك التشريع به غش أو فساد أو ما شابه، فهم الآن يكسون المنارة التي سرقت في الاستفتاء الدستوري وكانت حينها عارية”. كما شدد على أن دولت باهجه لي تم خداعه بقانون التحالف مع العدالة والتنمية. وتابع تمللي قائلا:
“فليشكلوا ما شاؤوا من ائتلافات، فسيبقون عاجزين لأنهم بحاجة إلى مثل هذه القوانين، ولتعلموا أنهم خسروا الانتخابات من الآن. ومن الأمور التي تدعو للسخرية في التعديلات الجديدة، أن المقيمين في نفس البناية السكنية يمكنهم التصويت في أماكن مختلفة عن بعضها البعض، وإذا سألت لماذا وضعتم هذه المادة ؟! تراهم يكيلون لكم الاتهامات. فمن يدري كم متوفي سيدلي بصوته، ومن يدري كم شخص ليس من أبناء هذا الوطن سيدلي بصوته. ويقولون أيضًا أن الرؤساء المسؤولين عن الصناديق الانتخابية سيكونون من الموظفين العموميين. فكيف لهؤلاء الموظفين أن يعترضوا أو يبقوا محايدين إذا أشهرت لهم سيف المراسيم بقوانين.
فلا شك أنهم خدعوا دولت باهجه لي الذي كان أكثر من دعم قانون التحالف، وانتظر في المجلس كجندي حراسة ليلة مناقشة التعديلات التي نتحدث عنها. لقد أقروا اعتماد نظام (هوندت) الذي يعتبر أعلى مستوى من الطريقة المتوسطة لتوزيع مقاعد التمثيل النسبي للأحزاب القائمة. لقد مرر القانون يا سيد باهجه لي، بالهناء والشفاء”.

البروفيسور أوميت أوزداغ، نائب رئيس الحزب الصالح، ذكر أنهم قالوا منذ البداية إن التعديلات التي تم تمريرها من المجلس، مكيدة ضد الإرادة الوطنية، مشيرًا أن هذه المكيدة اقتضت تشكيل تحالف “قذر”. وأوضح أوزداغ في ذات الصدد أن هذه التعديلات ما هي إلا شرعنة وتقنين لعملية اغتصاب الإرادة الوطنية التي تمت على مرأى ومسمع من اللجنة العليا للانتخابات في الاستفتاء الدستوري يوم 16 أبريل. وأوضح أن مناقشة التعديلات وتمريرها في ليلة واحدة يثبت ما يقول. في الوقت ذاته شدد أوزداغ على أنهم سيحمون الصناديق الانتخابية، ولن يسمحوا باغتصاب الإرادة الوطنية.
وفي تصريحات لموقع “أحوال تركية”، قال حقان بايراقجي، رئيس شركة “صونار” للأبحاث واستطلاعات الرأي، إن “هذه التعديلات، وغيرها من تعديلات دستورية سابقة، كان لها الدور الرئيس في تغيير نظام السلطة السياسية. فلو استمر النظام الموجود، لكانت نسبة نجاح الحزب الحاكم تتراوح بين 30 إلى 40 في المائة، وستزيد احتمالات أن يكون هناك شريك له في الحكم. لكن بهذه التعديلات التي نتحدث عنها بات من يحصل على نسبة 51% حاكمًا، ويملك الدولة بكل ما فيها. لكن إذا لم يحصلوا على الأصوات التي يتنظرونها، وهذا ما سيحدث، فإنهم بذلك يكونون قد أنهوا حكمهم بأيديهم”.
بايراقحي زعم كذلك أن النظام الحاكم يهدف من وراء التعديلات التي تم إقرارها، تنظيم المناطق الانتخابية جغرافيا بالشكل الذي يمكنه من أن يكون في المقدمة، موضحًا أن هناك احتمال كبير لحدوث تأثير انعكاسي مُضاد لما يهدفون له، وتابع موضحًا:
“الاستطلاعات التي أجريناها مؤخرًا، أظهرت أن النسبة التي من الممكن أن يحصل عليها أردوغان في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، تتراوح بين 43 و45 في المائة. هذا ولا زال هناك 20 شهرًا على الانتخابات. أما إذا واجهه في الجولة الثانية مرشح حزب الشعب الجمهوري، أو ميرال أق شنر، زعيمة الحزب الصالح، سيكون أردوغان بحاجة إلى نسبة إضافية تتراوح بين 5 و 6 في المائة. لكن ناخبي الأحزاب المعارضة التي لن يبقى لها مرشحون في الجولة الثانية، لا شك أنهم سيصوتون في تلك الجولة لمرشح المعارضة ضد أردوغان. هذا ما توضحه الاستطلاعات. ومن ثم أؤكد ثانية أن النظام الحاكم قد عجل بنهايته بتلك التعديلات التي أقرها، وهذا ما سنراه معًا مستقبلًا”.

تجدر الإشارة أن زعيم حزب السعادة التركي، تمل كرم أولا أوغلو، كان قد صرّح من قبل للرد على مزاعم دخول حزبه في التحالف المذكور بين العدالة والتنمية، والحركة القومية، وقال ما نصه “يقولون إننا دخلنا في تحالف الجمهور، فهل أنا مجنون لأدخل في دائرة مسؤولية كهذه. ألهذا الحد تنحصر أهدافنا في مجرد الحصول على عدد من الحقائب الوزارية أو عدد من المقاعد النيابية؟ فهذه الأمة لا يمكن بيعها لا بـ20 نائبًا، ولا 120 ولا حتى 250. هذا هو ردنا بشأن ما يثار بشأننا، فليعلمه الجميع جيدًا”. هذه التصريحات أثارت بشكل كبير حفيظة العدالة والتنمية والحركة القومية.
لا جرم أن التعديلات التي جرت في إطار حزمة القوانين المعدلة التي أُقرت في الجمعية العامة للبرلمان التركي في جنح الليل، إذا لم ترفضها المحكمة الدستورية، ستطبق لأول مرة في الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها في 30 مارس 2019.
طريقة تمرير تلك التعديلات من البرلمان، تعني أن الحلفاء الذين جاءوا بالتعديلات في إطار تحالفهم المذكور، سيستميتون في الدفاع عما جاءوا به من فوق المنصات، وسيردون لا شك على كافة الانتقادات التي ستوجه لما جاءوا به، لكنهم لا يمتلكون الشجاعة الكافية لبث ما جرى في الجمعية العامة للبرلمان أثناء نقاش التعديلات. ومن الواضح أن الفترة المقبلة ستشهد صدامًا كبيرًا وحادًا بين التحالف المذكور، وبقية أحزاب المعارضة في البلاد.
تجدر الإشارة أن حزب “خدابار” الكردي الإسلامي السني الذي يهدف أردوغان لضمه للتحالف طمعًا في أصوات الناخبين الأكراد، كان قد أعلن من قبل أنه منفتح على مقترحات أية تحالفات، وليس هذا التحالف القائم بين العدالة والتنمية والحركة القومية فحسب.
ومن الملفت للانتباه أن الرئيس العام للحزب المذكور، زكريا يابجي أوغلو، بعد أن أدلى بتصريحات قال فيها “لا نقول إننا ضد التحالف مع حزب خدابار”، أدلى بتصريحات أخرى قال فيها إنه من غير الممكن القول بأن عملية عفرين التي تشنها القوات التركية في الشمال السوري منذ يناير 2018، وموقف العدالة والتنمية من استفتاء الانفصال بإقليم شمال العراق، لم يخلق أي نوع من الانزعاج بين الأكراد بالمنطقة، ولدى القاعدة العريضة للحزب الحاكم.
فيابجي أوغلو، كزعيم حزب السعادة كرم أولا أوغلو، يرى أنه ليس من الصائب بمكان ربط الحزب بتحالف ما ولا زال هناك 20 شهرًا على الانتخابات، وذلك لإيمانه بأن هذه الفترة الطويلة من الممكن أن تشهد تغيرًا في أشياء كثيرة.

المصدر : الاحوال التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق