شؤون ثقافية

محمد الفيتوري :أوجلان …

محمد الفيتوري :أوجلان …

أوجلان …

أبداً لم يكنْ شامخاً، وعظيم الرّؤى

مثلما هو في عرسِهِ الآن

أزهارُ ثلجٍ على قمةِ المنحنى

وقناديلُ مِن ذهبٍ تتوهَّجُ في ظلِّه

ورفوفُ طيورٍ مهاجرةٍ

تتداخلُ عبرَ ثقوبِ السماواتِ

أو تتعانقُ في مقلتيه

ونهرٌ عظيمٌ من الشَّهقات الحزينهْ

يلبسُ أمواجَهُ فجأةً

ويحطُّ على كَتِفَيْهِ المعذبتين

– تحطُّ خيولُ المغولِ قديماً

على كَتِفَي أوجلان

الوحيدُ هنا وهنالك…

في حيث تنتفضُ الرُّوحُ زاعقةً

فوقَ أضرحةِ الشهداءْ

والحزين الذي قتلَ الضعفَ والذلَّ

في رحلةِ النَّفيِ والابتلاءْ

الغريبُ المقدَّس في صلواتِ تمرُّده

المتفرد في حالتيه

شموخ الإرادة والانتماء

* * *

أوجلان

أيها الحارس الجبلي

الذي انتزع الشمس من كهفها

ذات ليل

وراح يدحرجها خلفه

كرة ضخمة من دخان

– هو ذا مجد مثلك

في صنع مثلك

في مثل هذا الزمان

– هو ذا قدر الحق

ما بقيتْ رايةُ العدلِ ساقطةً…

والجريمةُ صاحبةُ الصولجانْ…

– هي ذي لعنةُ العصرْ

ما بقيَ الحاكمُ المتألّهُ

في عمرِهِ السرمديِّ

تشيخُ الملايينُ تحتَ عباءته

وهوَ مبتسمٌ خالدُ العنفوانْ

* * *

أوجلانْ…

وهموا ينفخونَ مزاميرَهُمْ فرحاً

ويَدُقّونَ أصفادَهم ومساميرَهم في يَدَيْكْ

وجيشٌ من السَّامريين

والقرمطيين

والعملاء المرابين

يرنو إليكْ…

سلامٌ عليكْ

سلامْ الشعوبِ عليكْ

سلامُ الخلودِ عليكْ

سلامُ الإلهِ عليكْ!

15/2/1999

المُُستحمَّةُ في النهر

1

تستطيعينَ وحدكِ

أنْ تقطفي زهرةَ المستحيل

وأنْ تسكني صدفَ الكلمات

وأنْ تسكنيني…

أحبكِ أيتها المستحمَّةُ في نهرِ الشِّعرِ وحدكْ

فانتزعي منكِ، ما ليسَ منكِ

وصفِّي مرايا بهائِكِ

في ردهاتِ سنيني

واكتشفي بذرةَ النّورِ

في عتمةِ الكائناتِ

وأصغي الى الصرخاتِ العميقةِ في النَّاسِ

واكتشفيني!

2

يا ما أشدَّ اسوداد الرؤى،

وابيضاض المرائي

وأبرد ثلج الشفاه، وأقسى رماد العيونْ

وأحقر في مدنِ الموتِ، ما ورثَ الوارثونْ

وأقبح مجد العبيدِ الطغاةْ

وأبهاكِ في زمني.

حيثُ لا شيء، إلا ألوهيةُ الفرد

واللحظة الخاطفهْ

وسقوط الدُّمى الخزفيهْ

فوق الدمى الخزفيهْ

في رقصةِ النارِ والعاصفهْ.

3

كيفَ جئتِ إذنْ؟

مثلما لم تَجئْ ملكاتُ الأساطيرِ مِنْ قبلُ

كيفَ تناسخْتِ زنبقةً رطبةً

في هجيرِ الفصول

ولؤلؤةً حيةً في بطونِ البحار

وعصفورةً تحتَ نافذتي!

كيف أبحرتِ في مقلتيَّ اللَّتينِ

تدورانِ حالمتين

ومُطبقتين على حلمِ الأمس؟

4

تستطيعينَ وحدكِ

حيثُ تظلُّ الفضاءاتُ تمتدُّ

عبرَ الفضاءاتِ

والصمتُ ينصبُ أشكالَهُ الحجريَّهْ

فوقَ سطوحِ المدينهْ

تستطيعينَ، أيتُها النجمةُ الذهبيهْ

أن تسكبي ضوءَكِ اللانهائي

في ليلِ عمري

في نفقِ السنواتِ الحزينهْ!

القاهرة 20/6/1999

المرايا

عبرَ تموّجاتِ نهرِ العتمةِ الوحشيِّ

تستيقظ مرآةٌ قديمةٌ

ووجهُ امرأةٍ كاهنةٍ

مصبوغةِ العينين والضحكةِ واليدينْ

وجهُ امرأةٍ” يلوحُ مَيْتاً

ثم يسّاقطُ ميّتاً

وراء تلك النافذهْ

* * *

يا هل ترى أنتِ التي أحببتُ ذاتَ يومْ

أنتِ هاتيك التي عبرتُ نهرَ الموتِ

مشدوداً اليها ذات يومْ

أم أنّها أحلامنا تعكسنا حيناً

وتختال بنا فوق مرايانا

أم يا ترى نحن هم الأحلام

أم نحن مرايانا؟؟

صورةُ العَصْر

1

ويسيلُ بريقُ النجومِ بطيئاً

ويسطعُ في الأفقِ سيفُ الشتاءْ

وتغسلُنا الذكرياتُ بأمطارها

ثمّ تنشرُنا في سقوفِ الهواءْ

وفي ليلِ غربتنا هذه…

تَعْقُمُ الكلماتْ

وتقتاتُ من لحمِها الكبرياءْ

ويحدثُ أنْ يستحمَّ الدُّجى في العيونْ

وأنْ يعقدَ اليأسُ ألسنةَ الشُّعراءْ

ويصعبُ أن تنزَعي صورةَ العصرِ

من مقلتينِ تُطِلُّ وراءهما صورةُ العصرْ

كانَ طقوساً جحيميّةً، وتماثيلَ آلهةٍ

وحوائطَ منقوشةً بالغرائبْ

كان فضاءً عظيمَ الخرائبْ

كان قطاراً يغوص بركابه

في الوحول

ويسقط دون الوصول

2

ويصعب أن تنفضي عن جناحي

هاتين ريشهما الاستوائي

فالدم إرث قديم تنوء به الكائنات

وأزمنة الموت، أمكنة تتناسل في الموت

والشعر هذا الذي تتلاطم

في الكون أمواجه

ثم تنصبُّ فينا

يـظلُّ – كما كانَ منذ ألوفِ السنين –

هو الشعر…

يعزف إيقاعَهُ المتمرِّد عبرَ نخاعِ العظامْ.

3

ويصعبُ أن تتعانقَ أذرعةُ

الشجرِ الصَّنْدَلي

وأنْ تتنفسَ ساقيةُ المسكِ

في غابةٍ من رخامْ.

4

دعيني إذن أتأمّلْ بهاءَكِ

في شَفَقِ العمر

ثمّةَ ريحٌ رماديّةٌ يا رفيقةَ عُمري

تلفحُنا فجأةً، وتجفِّفُ أغصانَنا

وتعاتُبنا… وتغاضبُنا

وتباعدُنا… وتقاربُنا

فإذا الشعرُ يكتُبنا

وإذا بعذاباتِنا تتناغم

أو تتلاطم في سنواتِ الظلامْ

القاهرة 1/2/2000

الغائب

ويغسلُ أمواجَهُ النهرُ في ناظرَيْكْ

ويهبطُ رُخُّ السنينْ

وتمضي، تسائلُ نفسَكَ عنكْ

وتبحثُ عنْ لعبةِ الطفلِ بينَ يَديْكْ…

أهذا هو الفرحُ المستحيل؟

أهذا هو الحلم؟

منذ سنين أتى هذه الأرض، طفل،

غدا يافعاً، وغدا رجلاً حالماً،

وغدا شاعراً قلقاً…

مقلتانِ مُعَلّقتَانِ على حائطِ اللّيلْ

فالأرضُ واحدةٌ

والسماواتُ واحدةٌ

والوصايا التي ردَّدَتْها

شفاهُ النبيّينَ واحدةٌ

ثم غابَ الرجلُ

غابَ في فمِهِ الشِّعرُ

وانحدرَ النهرُ

ثم أتى الآخرون

ولم تزلِ الأرضُ

والناسُ والكلماتْ

هي الأرضُ والناسُ والكلماتْ

لماذا إذن جاءَ

ثمَّ انتهى مثلما جاءَ

ثم تقاطَرَ في إثْرِهِ الآخرون؟

2000

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق