شؤون ثقافية

ذكريات| 3

ذكريات| 3
في عام 1964 كنت في الصف التاسع، وكان العام الدراسي في ربعه الاخير عندما دخل علينا استاذ مادة الرياضيات ” احمد قرنة” يرافقه شاب غامض، لا هو استاذ ولا آذن.
دخل ووقف وراء الطاولة، وهو يبتسم وينظر إلينا كي نهدأ ونجلس في مقاعدنا.. عندما خيم السكون على الصف تحدث الاستاذ” احمد قرنة( الذي اصبح ذات يوم مديراً للاذاعة والتلفزيون، وقد احتكرت سلالته من الاولاد والاحفاد والاصهرة جميع المطبوعات، خاصة تلك التي كانت تأتي من الخارج، وبيعها بالاسعار التي يريدونها)، تحدث الاستاذ عن ثورة اذار بشيء من الحماسة الزائدة على انها ثورة العمال والفلاحين وصغار الكسبة.. وانها قضت على الانفصال والاقطاع والرأسمالية والرجعية في البلاد، وانها ثورة ضد الاستعمار والامبريالية العالمية والرجعية العربية، وانها إحدى القوى الثورية في العالم.
اما عندما راح يتحدث عن اهدافها في الوحدة فظننت ما ان ينتهي من حديثه عنها حتى سيتقدم زعماء الدول والممالك العربية من المحيط الى الخليج ويضعوا مفاتيح بلدانهم امامه فوق الطاولة.
ثم انتقل في حديثه عن الحرية، فشعرت بأنها اصبحت كالخبز يمكننا اخيراً ان نشبع منه دون خوف من فقدانه. اما الاشتراكية فذكرني بيوتوبيا توماس مور، ومدينة الفارابي الفاضلة، وجزيرة الدوس هكسلي، وجمهورية افلاطون.
انهى الاستاذ حديثه مع بسمة عريضة، ثم التفت الى الشاب الغامض الذي كان يقف قريباً منه، وقال له: حمود. وزّع عليهم طلبات الانتساب.
هرع الشاب الغامض لتوزيع الطلبات علينا.. وما ان وضع الورقة امامي حتى اصبت بالذعر، بينما كان الاستاذ” احمد قرنة” يتابع: انا بانتظاركم يا جيل الثورة..
وحكى كلاماً كثيراً لم احفظه يومها، لأنني كنت اعيش رعبي.
عاد الشاب الغامض من جديد ليجمع الطلبات من امام الطلاب.. عندما وصل اليّ نظر الى الطلب فوجده فارغاً. سألني: لماذا لم تملأه؟ اجبته: والدي سيقص رقبتي إن فعلت. فهو منعني من الانتساب الى الاحزاب. سألني: من اين له بمعرفة انتسابك للحزب؟ اجبته: لم اكذب على والدي في يوم من الايام.
رفع الطلب من امامي وقال: اخبر والدك ان يمر على إدارة المدرسة خلال اليومين او الثلاثة القادمة..
بعد اسبوع سألني الشاب الغامض عن ابي؟ اجبته: لقد اخبرني بأنه سيمر عندما يجد لديه وقتاً كافياً.
هذه كانت مقدمة للقصة التالية: اما القصة فبعد شهر تقريباً، ولم يبقَ للامتحان سوى اسبوعين سألني الطالب” قصيّ..” مع الاسف نسيت كنيته، وكان صديقي في الصف: لقد اقتربت الامتحانات، متى سيعطوننا الاسئلة؟ سألته: ولماذا سيعطوننا الاسئلة؟ اجاب باستغراب: ولماذا انتسبنا للحزب؟
هذا ما اذكره اليوم عن ذاك اليوم البعيد الذي اصبح تاريخاً.
نيروز مالك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق