logo

التيار القومي أثر في توجه السياسات التركية نحو الروس

التيار القومي أثر في توجه السياسات التركية نحو الروس
موقع: xeber24.net
متابعة: دارا مراد
تناقضات وصراعات قوية بين تيارات ومراكز قوى داخل العديد من الأجهزة الأمنية التركية. وأورد احد الباحثين المتخصصين بالشان التركي ,أن أطراف هذه الصراعات تضم أربع مجموعات من الغولانيين أو أتباع حركة الخدمة، والكماليين، أي التيارات العلمانية الليبرالية أو ما يطلق عليهم “الأطلسيون”، والتيار المحافظ الذي يشمل قاعدة حزب العدالة والتنمية، و”الأوراسيين الجدد”، نسبة إلى التيار اليسار القومي.
ووفقا لتقديرات هذا الباحث، فإن موازين القوى بين هذه التيارات المتنافسة داخل المؤسسة العسكرية هي التي تحدد هوية هذه المؤسسة واتجاهاتها، كما تصوغ مسارات سياسات تركيا الخارجية.
وأشار إلى أن الصراعات الداخلية لم تتوقف على مدى الفترة الماضية ولم تنته أزمة هوية المؤسسة العسكرية التركية، غير أن الانضباط العسكري والإدارة الصارمة للقيادات العليا (الأطلسيون) ذات التعليم الغربي، وسيطرتها على الرتب المتوسطة والناشئة (الأوراسيين والمحافظين)، غطَى على هذه التباينات.
غير أن هذه الصراعات، كما أوضح الباحث، تحولت إلى أزمة مكشوفة عقب محاولة الانقلاب العسكري في تركيا من جراء الخلل الذي عانى منه الجيش بعد تراجع أدوار الأطلسيين الذين سيطروا على المؤسسات الأمنية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ورغم محاولة الحفاظ على المواقع القيادية للأطلسيين عبر تفجير قضية “أرغنيكون”، والتي أفضت إلى اعتقال المئات من قيادات الجيش غير المحسوبين على الغرب، بدعوى التخطيط لعمل عسكري، فإن تصاعد مظاهر تحالف المحافظين مع الأوراسيين والإفراج عن الكثيرين من قادة أرغنيكون، عجل بمحاولة الانقلاب في محاولة أخيرة للحفاظ على النفوذ داخل الجيش.
ورأى الباحث أن فشل الانقلاب أفقد حلفاء واشنطن من الأطلسيين نفوذهم في هيئة أركان الجيش التركي، والذي بات خاضعا على نحو كامل للتيار المحافظ والمجموعة الأوروآسيوية، والتي اتهمت علنيا وكالة الاستخبارات الأمريكية بالضلوع في قضية أرغنيكون ومحاولة الانقلاب العسكري في تركيا.
والمجموعة الأوروآسيوية تُكنَ العداء للأطلسيين الذين يعتقدون أن مصالح أنقرة الإستراتيجية ترتبط بتوثيق التحالف مع واشنطن وحلف الناتو. وأفاد الباحث أن التيار الأوراسيوي مرتبط بحزب الوطن، وهو حزب يساري صغير وغير ممثل في البرلمان، بقيادة دوغو بيرينشك، وهو شخصية معادية للغولانيين والنخب الموالية للغرب معا، وتحالف مع التيار المحافظ القومي الذي يدعم حزب العدالة والتنمية داخل الجيش التركي.
واشتداد حدة الصراع بين أتباع أردوغان وتيار “غولن” أسهم في تشكيل تحالف استهدف منه داعمو أردوغان القضاء على وجود الخدمة داخل كافة مؤسسات الدولة والحفاظ على العلاقة بين العدالة والتنمية وقاعدته الاجتماعية.
مقابل ذلك، كما أورد الباحث، استهدفت مجموعة “برينشيك” القضاء على ما يطلقون عليه “دمي في يد الغرب” من تيارات ترتبط بالتوجهات الغربية، بما أعاد صوغ نمط سياسات تركيا حيال الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا.
ورغم التوترات التي شهدتها العلاقات مع موسكو بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، غير أن المبعوث الرئاسي التركي إلى الرئيس الروسي، كان دوغو بيرينشيك نفسه، والذي استطاع إقناع فلاديمير بوتين بأن ثمة مؤامرة من قبل قيادات محسوبة على واشنطن داخل الجيش استهدفت بحادثة الطائرة تفجير صراع بين البلدين.
ويقول الباحث إن مجموعة الأورآسيويين الجدد تتحرك في الساحة الخارجية وفق نمط إدراكي يسيطر عليهم، هو أن ثمة مؤامرة غربية تستهدف إقامة دولة كردية على حساب الجغرافية التركية.
وهذا التحدي، كما يراه التيار، يستوجب التحرك من أجل تعزيز نفوذ تركيا العسكري في الساحات المجاورة، ويستدعي أيضا الاعتماد على تقديرات هيئة أركان الجيش وليس الخارجية. قد يفسر ذلك أسباب قيام رئيس الأركان التركي، خلوصي أكار، باستباق زيارة أردوغان الأخيرة إلى طهران، وليس وزير الخارجية التركي.
وكتب أن العلاقات مع موسكو تشهد تطورات متلاحقة بفعل سياسات الأوراسيين، الذين صاغوا موقف تركيا فيما يتعلق بسحب المعارضة السورية من مدينة حلب في سوريا، والتلويح بالعمل العسكري لمنع انفصال كردستان العراق، وكذلك التحرك الميداني حيال العديد من مدن سوريا ومن بينها “عفرين”.
ويقول الباحث إن هذا التيار صاغ أيضا إستراتيجية التحرك في مواجهة سياسات العزلة التي حاولت الدول الغربية فرضها على أردوغان، حسب تقديراتهم، عبر اتفاقات ضخمة مع روسيا فيما يخص مشروعات البنية التحتية، حيث الاتفاق على إنشاء مفاعلات نووية في تركيا، وإقامة خط أنابيب تركستريم، وشمل ذلك أيضا الاتفاق بشأن منظومة الدفاع الروسي S-400، والذي يستهدف توسيع هامش المناورة أمام تركيا في مواجهة دول الناتو وإحباط أي محاولة انقلابية مستقبلية.

الأورآسيويون تيار براغماتي، ورغم كونه علمانيا متطرفا، فإنه يتحالف مع التيار المحافظ، من منطق التحالفات المرنة التي أفضت إلى غض الطرف مؤقتا عن سياسات “تديين” الأجهزة الأمنية عبر السماح للمحجبات بالدخول إلى الجيش التركي وأجهزة الأمن المختلفة وتوحيد الكليات العسكرية وإحكام السيطرة عليها عبر قيادات مدنية ترتبط بالرئيس التركي.

ومُراد الأورآسيويون من ذلك التمتع بحرية الحركة على الساحة الخارجية للابتعاد عن حلف الناتو وإقالة كافة القيادات المحسوبة عليه داخل الجيش التركي. ووفقا لوكالة الاستخبارات الأوروبية، فإن الرئيس التركي كان قد خطط لهذه الإقالات قبل يوليو 2016، غير أن محاولة الانقلاب الاستباقية لإجرائه سّرعت من وتيرة الإقالات والاعتقالات اللاحقة لقيادات الجيش والأجهزة الأمنية التركية الأخرى. كما أفضت إلى توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات والشرطة التركية.

وختم الباحث حديث بالقول إن تصاعد الأدوار العسكرية لتيارات سياسية متنافسة ينذر بمشكلات محتملة قد تفضي إلى تحولات مثيرة في سياسات تركيا الخارجية، والتي صارت تغلب عليها نزعة قومية تعمد إلى استخدام الأدوات العسكرية لتحقيق المصالح وترسيخ النفوذ، وذلك على نحو قد يكون له ارتدادات عكسية لن تقتصر في الغالب على مصالح تركيا في الإقليم، إنما قد ترتد أيضا على أوضاعها الداخلية.

اضف تعليق

Your email address will not be published.