راي اخر

ملاحظات أولية حول التعصب الديني

ملاحظات أولية حول التعصب الديني
(التعصب هو التعويض المفرط عن الشك )
“روبرتسون ديفيس”
عُرِّفَ التعصبُ عند أهل اللغة، أنه الأمر الذي يَدعو فيهِ الرجل إلى نصرة عُصبته، والتآلب معهم على من يُناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين..
وبالرغم أن للتعصب أنواع كثيرة منها السياسي والاجتماعي والعرقي ، لكن يبقى التعصب الديني أخطرها وأسؤها على الإطلاق ..
لكونه يمنح المصاب به شعوراً داخلياً، ويجعله مطمئناً أن السماء تقف إلى جانبه، وأنه صوت الله على الأرض ، ومنفذاً لإرادته في الإعمار والخلافة ، وأن الأخر الضال والمغضوب عليه، لا يعلم عن هذه الحقيقة شيئاً ، ولعل هذا ما يجعله يتشدد أكثر فأكثر كلما قابل شخصاً لا يوافقه أو محيطاً لا يتفق مع دوغمائياته.. بل وتراه يفقد صوابه تماماً ، إن هو سمع رأياً مختلفاً عما يؤمن به، وقد يظهر هذا الشعور الداخلي ( الذي يسميه هو الهدى والإيمان ) على صورة ممارسات عنيفة، للوصول إلى غايات تقوم في جوهرها على إقصاء الآخر أو إفنائه تماماً إن أمكن ذلك ، دون أي تأنيب للضمير..
وقد يظهر التعصب الديني على شكل مواقف متزمتة، تنطوي على انحطاط أخلاقي مُبَجل بين معتنقيه ، ومنادى به على الملأ ، كشكل من أشكال الإيمان، يقوم على احتقار الآخر وعدم الاعتراف بأبسط حقوقه وإنسانيته.. بل وأحياناً كثيرة يرفض مُجرد الحوار معه..
فهو يَرى في نفسه – أي المؤمن المتسلط – الحق الدائم ، لأن كتابه في يمينه، ويرى الآخر على باطل بلا أية حجة أو برهان.. بينما يرى هو في عقله الوضاء كل أنوار القناعة التامّة انه يستحوذ على كل الحقيقة..
وان الطرف الآخر ليس لا يمتلك أي نصيب من الحق فحسب، بل ولا يستطيع حتى الإدعاء انه يمتلك أو حتى يكون مثله، كما لا يُمكنه أن ينال اية امكانية للفهم والقدرة على الولوج الى المعرفة كما حصل للمتعصب المؤمن، الذي كشفت له السماء عن بصره وبصيرته. ورضيت به ممثلاً وحيداً لها على الأرض..
وليس من الصعوبة بمكان ملاحظة أن المتعصب دينيا عموماً ، يعاني من التسلط والجمود في التفكير، وإنعدام الرغبة في رؤية الواقع على حقيقته، بل يتعاطى مع الواقع من خلال ما يَسكبه عقله عليه ، أو من خلال الصورة التي رسمها هو عن ذاك الواقع المتصوّر ، الذي قدمهه له دينه ، وليس الواقع الحقيقي الذي حوله ..
ولذلك تأتي أحكامه بعيدة تماماً عن أية حكمة أو صواب.
وكذلك المتعصب الديني لا يرى في نفسه إلا المُنقذ ، ولا يقبل أن يكون شريكاً في الحوار بل مسيطراً على الآخر ، وإن حدث وشارك في حوارٍ ما تجده ثرثاراً غير منصت ، يسكنه هاجس الغلبة والإفحام أكثر من هاجس التعلّم والإعلام ..
من هنا أمكن القول: أن التعصب الديني عادةً لا يقتات على سعير السؤال بل على شعير الأجوبة ، وهو يعتمد على طريقة تفكير منفلشة في انفعالاتها ، وذهنية مشاغبة وغير متزنة ، في تعبيراتها ولا في ردود أفعالها ، تريد أن تقفز على الأسباب بإستمرار، ولا تطيق سوى التشبث بالنتائج التي تعتقد أنها نهائية وقاطعة .. لايأتيها الباطل من قدّْامِها ولا منْ خلفها..
لذلك نجد أن التعصب الديني يحدُّ بالفعل ، من قدرات الذهن للإنسان، إلى درجة تجعله جازماً أن عقيدته فيها البلسم الشافي، لكل ما قد يأتي به الواقع ، من مشاكل أو رزايا أو خطوب .. ونلاحظ أنه غالباً ما يتقدم بمنطق تبسيطي للأحداث والواقع .. لفهمه أن العقل واضح جدا في حقائقه، وأن أجوبته بسيطة ونهائية، وان الطرف الآخر هو الذي لايفهم ..
و أعتقد أن التعصب الديني يقوم في جوهره ،على مداميك ودغمائيات يخافها هو ذاته ،
ولا يجرؤ أن يتجاوز الآلية التربوية القائمة على الخوف، و التي ربيَّ عليها عقله ، لذلك يعتقدها غير قابلة للدحض مطلقاً، وإن حدث أن فوجئ بحقيقة، أو حتى عبارة صدمت ما لديه من عقيدة او أفكار مطلقة منزهة، فتراه يصاب بالوجوم .. والصدمة .. قبل أن تتحول إلى صراخ وعويل .. وفي هذه اللحظة الفارقة والصادمة – كما أعتقد – يمكن عند بعض المتعصبين أن يكون عاملاً هاماً من عوامل الوعي عندهم أو استرداد بصيرتهم المسروقة ..
أخيراً لابدَّ من القول: أن التعصب بمجمله يفتت عضد الإنسان وقدرته على التطور الفكري، والحقيقة تُبَيّن أن لاشيء يُشوهُ الفكرة ويُسيء إليها أكثر من التعصْبِ لها ، وحجبها عن جرأة النقد أو تحصينها بأسوارٍ عالية ضد التفنيد و الدحض..
وبالرغم من الإقرار بمساوئ كل أنواع التعصب، إلا أن التعصّب الديني يبقى أخطر أنواع التعصب أثراً ونتيجة، ليسَ لكونهِ يَعزلُ الانسان تماماً عن الحقيقة بل لأنه يُحوّله إلى قنبلة موقوتة وخطيرة جداً على المجتمع والدولة ، وكلما زاد المتعصبون في وطنٍ ما ، كلما اقتربت ساعة تفتته وإضمحلاله ..والتعصب مَثلهُ كَمثلِ العنف، إذ لا يمكن لهما أن يبنيا وطناً أو مجتمعاً سوياً بأي حال من الأحوال .

زكريا كردي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق