شؤون ثقافية

بعيداً عن الحرب| 28

بعيداً عن الحرب| 28
الفاتحة
كتبت ما حدثني به صبحي:” من عادات أهالي حلب أن يخرج موتاهم من قبورهم في عيد الفطر لزيارة الأقرباء في بيوتهم. أما في عيد الأضحى فيقوم الأقرباء في رد الزيارة لموتاهم في المقبرة”.. تابع:” هي عادة قديمة، ولكنهم لم يتخلوا عنها. ففي عيد الأضحى الأخير، خرج أبي وأمي من قبريهما، وانتظرا الأولاد والأحفاد وبقية الأقارب. ثم راح أبي ينظر من فوق سور المقبرة إلى تلك المباني المحترقة والمدمرة على مد النظر. أما الشمس فقد رأها تشيح بوجهها حزناً للخراب وألماً للدمار الذي على الأرض.
التفت أبي إلى أمي، وسألها: ألم تنتهين بعد؟. أجابته:” انتهيت”. كانت أمي قد أنتهت من ترطيب تربة قبرينها بالماء، وكنست عنهما أوراق الأشجار والأتربة والأوساخ.
أدار أبي ظهره لها، وراح يتطلع إلى مدخل المقبرة، وهو يسأل: أتدرين؟ أخاف أن لا يأتوا اليوم؟ فأنا مازلت أذكر كلامهم الأخير، إن كنت تذكرين؟ فقد قالوا سيغلقون المعبر الذي بيننا بالاتجاهين، وإن فعلوا هذا، ستصبح زياراتنا المتبادلة صعبة جداً.
جلست أمي على حافة قبرها، تنظر إلى ما أنجزته من عمل، ثم قالت:” أتدري، لقد اشتقت للأولاد كثيراً”. هز أبي رأسه، وقال: الله يلعن الحرب التي فرقت الآباء عن أولادهم وأحفادهم. ثم التفت إلى أمي، وتابع: لقد تأخروا.. ولفتت نظره كلمة” الفاتحة” المرسومة على شاهدة قبره. رفع وجهه عنها إلى الأعلى، حيث الشمس كانت تشعر بالخوف كلما عبرت طائرة صفحة السماء!
على كلِ، قالت أمي:” ماعلينا سوى الانتظار”. ثم التفتت تنظر إلى المقبرة شبه الخالية من الزوار.. فتذكرت كيف كانت تمتليء فيما مضى بالناس، خاصة أحفادها وبقية الأطفال.. كم كانوا يضحكون ويركضون بين ممرات القبور؟ وقد أخبرتني، تابع صبحي: كم كانت تفرح بهم وتسعد بوجودهم، فقد كانوا يذكّرونها بالحياة”. تساءلت أمي:” ألا ترى معي بأن الزوار باتوا يقلّون عاماً بعد عام عن زيارة موتاهم؟ أنظر”.. وأشارت بيدها إلى القبور، لا أحد تقريباً”.. هز أبي رأسه، وأجاب: إنها الحرب اللعينة التي.. وأختنق بشيء ما، بينما كانت عيناه تدوران في كلمة” الفاتحة” وهو مقهور، لأن أحداً لن يتلوها بعد اليوم على روحه وروح أمي.
أدارت أمي وجهها فيما حولها. وقالت باستنكار:” حتى ساعات النهار باتت قصيرة، رغم شهر تموز الذي نحن فيه!”. علقّ أبي موافقاً: نعم. لقد باتت الشمس أيضاً تخاف من الموت.. لذا أختصرت ساعات يومها إلى النصف! سكت، ثم سأل أمي: هل تشعرين بالبرد مثلما أشعر به؟ أجابته:” يعني.. ليس كثيراً”. وأمسكت بيده، كأنها تحاول بذلك أن تمده بالدفء، بينما كان أبي يتابع بيأس: لن يأتوا بعد الآن؟ واستوى واقفاً: لقد مالت الشمس إلى المغيب. ثم توجه إلى قبره، وهو يقول: أعتقد يا أم صبحي لم نعد بحاجة إلى قبرين بعد اليوم؟ واحد يكفينا!
هزّت أمي رأسها موافقة، ثم ضغطت على يده، وتوجهت معه إلى قبره الذي كان أكبر من قبرها، وأوسع”.
لم أجد غير هذه النهاية أن أختم بها ماقصّه صبحي عليّ، قبل أن يلجأ مع أسرته إلى الدانمارك هرباً من الحرب الدائرة منذ سنوات.
نيروز مالك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق