logo

لقاء لافروف – جاويش أوغلو في أنقرة… هل نجحت موسكو في خرق جدار الحصار الدولي؟

لم يظهر أي جديد في المواقف المعلنة من الطرفين التركي والروسي في ختام زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أنقرة، إلا أن توقيت الزيارة والرسائل التي وجّهها كلا الطرفين تشرح أهمية اللقاء، الذي حوّل أنظار العالم إلى تركيا للمرة الثانية منذ بداية الحرب الأوكرانية.

ظهر الاختلاف في الأولويات بين الجارين اللدودين خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماع وزيري خارجية البلدين، ففي حين كانت أوكرانيا القضية الأولى بالنسبة إلى موسكو، واصلت تركيا تركيزها على عمليتها العسكرية المحتملة في الشمال السوري، لتحتل الملفات الأخرى كتوسيع حلف الشمال الأطلسي والقوقاز وليبيا مراتب ثانوية في جدول أعمال القمة والتصريحات التي أعقبتها، وصولاً إلى أسئلة الصحافيين.

الحاجة الروسية المتزايدة لتركيا
غيّرت الحرب الأوكرانية توازنات العلاقة التركية – الروسية وحسابات موسكو تجاه أنقرة تحديداً. فبعد سنوات من رجحان كفة ميزان هذه العلاقة لصالح روسيا نتيجة للحاجة الاقتصادية التركية، جاءت تداعيات الحرب لتبدّل هذه المعادلة ومنحت أنقرة ثقلاً نوعياً مقابل موسكو وخصومها على حد سواء.

باتت أنقرة اليوم المنصة الأهم بالنسبة إلى روسيا لكي تتمكّن من التعبير عن مواقفها وإيصال آرائها للرأي العالم الدولي بعد اغلاق معظم المنصّات الأخرى في وجهها.

ويشرح الخبير في السياسات الروسية والتركية والمتخصص بسياسات الأمن والطاقة الأوراسية، كريم هاس في تصريحات خاصة إلى “النهار العربي” أهمية “المنصة التركية” بالنسبة إلى موسكو قائلاً: “لنتذكر أن لافروف كان ينوي قبل أيام زيارة صربيا، وهي ليست دولة عضواً في الناتو، لكن عدم سماح جيرانها الأطلسيين من بلغاريا وشمال مقدونيا والجبل الأسود لطائرته بعبور أجوائهم حال دون إجراء هذه الزيارة. وفي المقابل فإن تركيا الدولة المهمة في الناتو، لا تفتح أجواءها أمام روسيا فحسب بل تستقبل وزير خارجيتها في زيارة لا تخص الحرب الأوكرانية فقط، وإنما تسهم في ايجاد حل لمشكلة القمح التي تهدد الأمن الغذائي العالمي”.

واضاف أن “الموقف التركي من روسيا يجعل أنقرة الأطلسية في وضع فريد داخل حلف الناتو، وهي الدولة الأطلسية الوحيدة التي لا تفرض أية عقوبات على موسكو”.

نجح لافروف خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو في تغيير الصورة التي باتت تظهر روسيا أخيراً كمتسبب في أزمة غذاء محتملة حول العالم سواء في التحليلات الإعلامية الغربية أو التصريحات السياسية الأميركية – الأوروبية.

واستغل وزير الخارجية الروسي فرصة وجوده في إحدى العواصم الأطلسية ليبين بالأرقام حجم المساهمة الأوكرانية الضئيلة في تصدير القمح العالمي، ويوجّه مسارات الاتهامات نحو كييف من خلال إبداء استعداد موسكو لحل هذه الأزمة بالشراكة مع تركيا الأطلسية وفق خطة الأمم المتّحدة، مقابل إظهار كييف كمعرقل للحل في معادلة متناقضة مع سابقاتها مضمونها “وثوق موسكو بضمانات تركيا بعدم عودة السفن التجارية الناقلة للقمح محملّة بالأسلحة إلى أوكرانيا، مقابل رفض الأخيرة لضمانات أنقرة بعدم استغلال روسيا نزع الألغام في مياه الموانئ الأوكرانية وتنفيذ هجوم بحري عليها”.

ويعتقد هاس أن اللقاء شكّل فرصة بالنسبة إلى روسيا لجهة الطعن في الخطاب الغربي القائم على اتّهام موسكو بالتسبب في أزمة غذاء عالمية، مشيراً إلى أن “لافروف نجح في دفع أوكرانيا ومن ورائها بريطانيا والولايات المتحدة إلى معضلة مزدوجة، فالقبول بالحل التركي – الروسي سيؤدي إلى نتيجة مفادها أن الأزمة التي تم التحذير من مخاطرها الكبيرة ناتجة من إجراء أوكراني وليس بسبب الحصار الروسي للموانئ وفق الاتّهامات الغربية، فيما يعني الرفض تقاعس الدول التي تحذّر من الأزمة في حلّها، لتنتقل اتّهامات التسبب بأزمة الغذاء من روسيا إلى أوكرانيا والغرب”.

وأضاف:” طبعاً لولا العزو الروسي لأوكرانيا، لكانت أوكرانيا واصلت تصدير قمحها وهذا صحيح كصورة عامة، ولكن في ظل ما وصل إليه الحال اليوم، فإن العائق أمام عملية التصدير هي الألغام الأوكرانية وليس الحصار الروسي”.

كما أن تأكيد وزير الخارجية التركي على ضرورة الغاء العقوبات المفروضة على روسيا في حل أزمة الغذاء، ورفضه لتبريرات الغرب بعدم وجود عقوبات على القمح والسماد الروسي من خلال الإشارة إلى تأثير العقوبات على تصدير هذه المواد عبر العوائق المرتبطة بتأمين السفن وتقديم الخدمات اللوجستية لها في الموانئ وتعقيد آلية دفع ثمن المواد نتيجة للعقوبات المفروضة على النظام المصرفي الروسي ومطالبته برفع هذه الإجراءات، من المؤكد أنها زادت من فاعلية هذا اللقاء روسياً، بخاصة أنها صدرت من دولة أطلسية لم تكتفِ بعدم الامتثال لقرار فرض العقوبات، بل ذهبت أكبر من ذلك عبر مطالبة شركائها بإلغاء تلك العقوبات، التي تعتبر السلاح الغربي الوحيد حالياً في وجه روسيا.

“مشكلتكم مع واشنطن”
وعلى عكس الجو التوافقي الذي ساد في ملف “ممر القمح” بين الجانبين، جاء الملف السوري ليعيد إلى الأذهان التباين في المواقف بين موسكو وأنقرة، رغم حرص الوزيرين على الابتعاد من تبادل الاتّهامات، وانتقاء مفردات بعيدة من الاستفزاز وأقرب إلى رسم صورة توافقية، لكنهما أخفقا في وسم تفاصيل الملف السوري بتلك الصورة المرجوة.

وفي خضم ردّه على تذكير جاويش أوغلو بالتعهّدات الأميركية والروسية في الاتفاقات التي تربط أنقرة مع كلا البلدين، جدد لافروف خلال المؤتمر الصحافي تفهّم بلاده للمخاوف التركية في تكرار للموقف الروسي الرسمي التقليدي، لكنّه، في الوقت ذاته أعاد تمرير الكرة إلى الجانب التركي من خلال التذكير بالتهديد الإرهابي في إدلب، التي تعهّدت تركيا بإنهاء تواجد المجموعات المتطرفة فيها، والإشارة إلى الولايات المتّحدة كمولّد لتلك المخاوف من خلال “دعمها لبعض الفصائل في سوريا”، في خطاب أقرب إلى القول لأنقرة بأن “مشكلتكم في سوريا هي مع الوجود الأميركي هناك وليس الروسي أو بشار الأسد”.

في المقابل فإن إشارة وزير الخارجية التركي في معرض اتّهامه “النظام السوري بالتقاعس عن المضي قدماً في الحل السياسي” إلى تمسّك بلاده “بالحل بين النظام والمعارضة المعتدلة مع استبعاد الإرهابيين” يمكن اعتباره تأكيداً على تراجع أنقرة عن مطالبها “بإسقاط الأسد”، فيما يمكن قراءة رد لافروف على طلب نظيره التركي من روسيا بالضغط على دمشق لتسريع مسار اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف بالذكير بالتزامات المجتمع الدولي تجاه سوريا وفق قرارات مجلس الأمن كشرط سوري – روسي من أجل إنجاز تقدّم في الملف السوري وفقاً سياسة تقوم على مبدأ “خطوة بخطوة”.

ملاحظات
من خلال متابعة المؤتمر الصحافي المشترك بين لافروف وجاويش أوغلو يمكن استخلاص الملاحظات التالية:

ظل جاويش أوغلو يخاطب نظيره الروسي بأسمه مباشرة مقابل إصرار لافروف على تكرار مصطلح “السيد وزير الخارجية” عند مخاطبته أو الإشارة إلى نظيره التركي.

ركّز الوفد الإعلامي الروسي على الملف الأوكراني في أسئلته مقابل إصرار الإعلام التركي على التطرق إلى الملف السوري والعملية العسكرية التركية في شمال سوريا، ما يفسّر اختلاف الأولويات بين الجانبين.

حرص الوزيران على إعطاء انطباع الحميمية ودفء العلاقات بين الجانبين طوال الدقائق الأربعين للمؤتمر الصحافي مع محاولة كل منهما توجيه رسائله للآخر على شكل ردود على استفسارات الصحافيين من دون تصعيد لفظي أو خطابي.

ربطت روسيا بشكل غير مباشر استمرار تدفّق السياح من مواطنيها إلى تركيا بشرط اعتماد نظام الدفع الالكتروني والبطاقة المصرفية الروسية في تركيا، من خلال التذكير بأعداد السائحين الروس الوافدين في عامي 2021 و2019، بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا.

نفت موسكو، من خلال التأكيد على ترحيبها تفعيل تركيا لاتفاقية مونترو للمضائق، الفرضيات السابقة التي تحدّثت عن لجوء أنقرة إلى الاتفاق خلافاً للتطلعات الروسية وارضاءً لواشنطن وحلفاءها في الناتو.

لا شك في أن نتائج لقاء وزيري خارجية البلدين ستكون مؤثرة في العديد من الملفات الإقليمية، إضافة إلى الملف الأساسي والمتمثّل بالحرب الأوكرانية، إلا أن هذا اللقاء يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى موسكو، التي ظهرت للمرة الأولى منذ أربعة أشهر وهي تتحدث عن الملف الأوكراني ليس من موقع أحد أطراف الحرب، وإنما كطرف ساعٍ إلى حل أزمة غذاء تهدد العالم، ما يمكن اعتباره حملة روسية ناجحة في تحسين صورة موسكو دولياً، وقد كان لأنقرة دور ايجابي، بشكل متعمّد أو من دون قصد، في هذه الحملة.

اضف تعليق

Your email address will not be published.