logo

اللحظات الطيبة تشعرنا بكينونتنا الإنسانية

بير رستم : كاتب وباحث كردي سوري مستقل

قبل لحظات وأنا أمارس هوايتي اليومية؛ رياضة المشي المسائية، تجاوزتني فتاة بعمر الخامسة أو السادسة من عمرها وتتبين من ملامحها وسمرها بأنها شرقية، فبادرتني بالتحية وسألتني بالألمانية مع ابتسامة لطيفة: “Bist du Muslem”، أي “هل أنت مسلم”، ورغم قناعاتي اللادينية فقد أجبتها ب”Ja؛ أي نعم” ومع ابتسامة، طبعاً ليس نفاقاً، كما قد يلجأ أحدنا إليه مع أحد مشايخ الفقه، بل وجدت في سؤالها وابتسامتها البريئة؛ كأنها تتمنى أن تجد من تنتمي إليه ثقافياً حيث سؤالها جاء بالأساس تحبباً وخاصةً رأت في لحيتي وملامحي ذاك الانتماء الثقافي الاجتماعي المشترك.

بالمناسبة هذه الحادثة ذكرتني بحادثة أخرى مشابهة حيث أثناء خدمتي العسكرية في الآمرية؛ قيادة القوى الجوية بدمشق، كان كل من في إدارة “الإدارة الذاتية” يعرفون توجهاتي اللادينية ومنهم المساعد “أبو عمار” الله يذكره بالخير وكان شخصاً طيباً مؤمناً ذاك الإيمان الشعبي الإسلامي الطيب وكنا أحياناً ندخل في جدالات دينية ورغم معرفته الجيدة بي قناعاتي اللادينية، فقد صدف يوماً -بالأحرى تقصدها- أن كنا معاً أمام “جامع ابن عربي” ورفع آذان الظهر، فطلب مني بنوع من الرجاء والالحاح الإيماني أن أدخل معه للجامع لنصلي معاً الظهر!.

طبعاً بالبداية رفضت وقلت له؛ “إنك تعرف بأنني شخص لا أؤمن بهذه العقائد اللاهوتية”، لكن عندما تيقنت، بأنه بالأساس أتى بي مشياً من الآمرية -على أساس نتمشى قليلاً في استراحة الظهيرة حيث كنا مناوبين فيها يوم الجمعة، كون كل أربعة أيام كان يجب أن يناوب فريق منا في الإدارة لأجل المهمات والأوامر العاجلة وكنا نجهز غدانا وعشانا وننام هناك تلك الليلة- وهو “بغاية في نفس يعقوب”، كما يقال، أوصلني لباب جامع ابن عربي لكي يطلب مني الدخول والصلاة ويكسب علي ثواباً كمن أدخل أحد الكفرة إلى الإسلام حيث سيزيد بعمله ذاك من حسناته عند ربه.. وهكذا وعندما أدركت غايته، فعلاً دخلت وصلينا معاً وخرج كل منا بقناعاته السابقة.

ما أردت قوله من خلال المثالين السابقين؛ بأننا إذا قدرنا أن نعطي بعض المحبة أو الطاقة الإيجابية لأحدهم حتى وإن كان ذاك الفعل غير نابع من قناعاتنا المبدئية فلا ضير بذلك خاصةً عندما لا تكون لها سيئاتها، بل يكون لها مردودها النفسي الطيب عند الآخر حيث بالأخير فإن المحبة إحدى أهم الخاصيات الإنسانية في سلوكنا نحن من نسمى بالكائنات البشرية، فهل سيكون بمقدورنا منح المحبة للآخرين دائماً، ذاك هو المأمول من الكائن الإنساني وما نأمله من أنفسنا قبل الآخرين.

اضف تعليق

Your email address will not be published.