logo

شرعية خلافة علي كشرعية خلافة أبي بكر وعمر

مير عقراوي / كاتب بالشؤون الإسلامية والكردستانية

خلال الصراع كله الذي دار بين علي بن أبي طالب / الخليفة الراشدي الرابع ، ومعاوية بن أبي سفيان لم يدَّع الإمام علي بأن له وصيَّة خاصة من رسول الله محمد بالخلافة والإمامة ، أو لم يحدث قط إن النبي محمد – عليه الصلاة والسلام – أشار مرة ، ولو مجرد إشارة إن الإمامة – الخلافة هي أصل من أصول الدين وفروعه ، أو أن للصحابي الفلاني وغيره له حق الولاية والإمامة من بعده . فلو كان الأمر كذلك لنزل عليه الوحي الإلهي ولتم تثبيتها في العديد من السور القرآنية نظراً لأهميتها كبقية الأصول والإركان الدينية والإيمانية ، لم يحدث ذلك قط ولا نجده ولو في آية قرانية واحدة فقط . ذلك إن القواعد والأصول والأركان الدينية والإيمانية شيء ، كما الخلافة ، الإمامة ، السياسة ، الإدارة ، الحكم والحكومة والرئاسة شيء آخر تماماً . فالأولى لا تخضع لمقايس الدهر في التغيير والتبديل والتطور والزيادة والنقصان ، أما الثانية فهي تخضع لجميع المقاييس والإعتبارات التي أشرنا اليها .

تأسيساً على ما ورد نجد إن علي بن أبي طالب خلال الأحداث والصراع الذي جرى بينه ومعاوية بن أبي سفيان ، أو حتى غيره لم يدَّع إنه الخليفة والإمام المنصوص عليه من قِبَل رسول الله محمد ، أو إن له ولاية أو إن الإمامة هي من أصول الدين كما الزعم في المذهب الشيعي الإثني عشري . في هذا الأمر نسي أو تناسى المذهب الشيعي إن الأصل الديني لا يمكن تأصيله بالحديث النبوي فقط ، بل يجب أن يسبقه النص القرآني الصريح والمُحكم في ذلك الأصل ، مثل التوحيد والنبوة والمعاد والصلاة والزكاة والصوم والحج وغيره من الأصول والأركان الدينية والإيمانية التي دَلَّت عليها النصوص القرآنية الكثيرة . أما بخصوص زعم الولاية والإمامة بعد رسول الله محمد فإننا نفقد نصاً حديثياً صحيحاً واحداً يتفق مع القرآن الكريم ، ومادام خلوِّها من القرآن كله فإنه لم يكن بوسع رسول الله محمد أن يَبُتَّ فيها من عنده ، وحاشاه بطبيعة الحال ، حيث هو الصادق الأمين بكل ما للكلمة من معنى ومغزى .

بحسب التاريخ الإسلامي لقد جرت مراسلات كثيرة بين الإمام علي وحاكم الشام معاوية بن أبي سفيان ، وخلال الرجوع لتلكم الرسالات لا نعثر على رسالة واحدة لعلي إحتج بها لمعاوية بن أبي سفيان أو غيره بأن الخليفة المنصوص عليه من جانب رسول الله محمد .

إننا نجد الإمام علي يحتج في شرعيته للخلافة أمام معاوية إن شرعيته للخلافة والحكومة هي نفس شرعية الخلفاء الراشدين الثلاثة الذين سبقوه ، وهم ؛ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان . في هذا الصدد أرسل الإمام علي رسالة إحتجاجية لمعاوية يوضح له فيها إن شرعيته للخلافة هي مثل شرعية أبي بكر وعمر وعثمان للخلافة عبر التي أخذت رسميتها من الشورى للمهاجرين والأنصار .

وفي رسالته لمعاوية لم يذكر علي قط إنه الوصي والموصى به للخلافة والرئاسة بعد رسول الله محمد ، وهذا هو نص الرسالة لعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه – الى معاوية بن أبي سفيان :

[ إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يَرُدَّ ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإنِ آجتمعوا على رجل وسمُّوهُ إماماً كان ذلك لله رضىً ، فإن خرج من أمرهم خارجٌ بطعنٍ أو بدعةٍ رَدُّوهُ الى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوهُ على آتباعه غير سبيل المؤمنين وولاَّهُ الله ما وَلَّى . ] ! . يُنظر كتاب ( نهج البلاغة ) للشريف الرضي ، شرح الأستاذ الإمام محمد عبده ، ج 2 ، ص 320

كما لا حظنا في رسالة علي الى معاوية إنه آحتج عليه بشورى المهاجرين والأنصار الذين إجتمعوا وشرَّفوه بالخلافة وآنتخبوه لها بعد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان إذن ، لو كان لعلي وصيةٌ أو عهدٌ من رسول الله بالخلافة – الإمامة وإنها من أصول الدينمن بعده لآحتج بها أمام معاوية وغيره أيضاً ، ولم يكن يُنازعه فيها صحابيٌّ واحدٌ من المهاجرين والأنصار ، وذلك وفقاً لنزاهتهم وتقواهم وقوة إيمانهم وحبهم المطلق لله تعالى ولرسوله محمد – عليه الصلاة والسلام – كما زكَّاهم الله عزوجل وأثنى عليهم في الكثير من الآيات القرآنية ، حيث سمَّاهم بتسمية المهاجرين والأنصار ، وفي مقدمة المهاجرين والأنصار أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان – رضوان الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين – .

موقع علي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ؛ الثابت تاريخياً إن علياً كان مستشاراً لهم خلال إمامتهم وحكومتهم للخلافة كلها ، وكانت العلاقة بينهم أخوية وإيمانية راسخة ، وكان علي بن أبي طالب يعتبرهم خلفاءه وأئمته ، إذ كان يقتدي بهم ويُصلِّي خلفهم ويجاهد بأمرهم ويقوم بقيامهم .

وكثيراً ما كان الخلفاء الراشدون الثلاثة يأخذون بالرأي السديد والنصيحة القويمة لعلي ، مثل الإمام عمر الفاروق الذي آستشار مجلس الشورى حول حربي الروم والفرس ، لكنه بالتالي آستحسن رأي علي ، وهذا الموضوع أيضاً نجده في كتاب ( نهج البلاغة ) المعتمد كثيراً لدى الشيعة .

خلال حرب الروم إستشار الإمام عمر مجلس الشورى ، وقال لهم إنه ينوي المسير الى جبهة الحرب شخصياً للقيادة ، فوافقه مجلس الشورى إلاّ علي بن أبي طالب ، فقال للإمام عمر : [ إنك متى تَسِرْ الى هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتُنْكَبْ لا تكن للمسلمين كانفةٌ دون أقصى بلادهم .

ليس بعدك مرجعٌ يرجعون اليه . فآبعث اليهم رجلاً مِِحْرَباً ، وآحفِزْ معه أهلَ البلاءِ والنصيحة ، فإن أظهر الله فذاك ما تُحبُّ ، وإن تكن الأخرى كنتَ رِدْءاً للناس ومثابةً للمسلمين ] ! . يُنظر كتاب ( نهج البلاغة ] للشريف الرضي ، شرح الإستاذ الإمام محمد عبده ، ج 2 ، 175 – 176

أما في حرب الفرس قدم علي إستشارته التالية للإمام عمر قائلاً له : [ فكن قطباً ، وآستَدِرِ الرَّحى بالعرب . وأصْلِهم دونك نار الحرب ، فإنك إن شخصتَ من هذه الأرض إنتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكونَ ما تَدَعُ وراءك من العورات أهمَّ اليك مما بين يديك .

إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا أصلُ العرب فإذا قطعتموهُ آسترحتم ، فيكونُ ذلك أشدَّ لِكَلَبِهم عليك وطمعهم فيك . ] ! . يُنظر كتاب ( نهج البلاغة ) للشريف الرضي ، شرح الأستاذ الإمام محمد عبده ، ج 2 ، ص 183

كما آستقرأنا معاً إن علي بن أبي طالب في إستشارتيه وصف الإمام عمر بالقطب والمرجع والمركز والأصل للعرب والمسلمين وخلافتهم التي كان يقودها ويترأسها بكل حكمة ونزاهة وعبقرية وإخلاص وإدارة ناجحة وسياسة سديدة ، ولهذا وصف المؤرخ الأمريكي المعروف مايكل هارت في كتابه الشهير [ المائة الخالدون ] الإمام عمر بأنه أحد أبرز القيادات الذي غيَّرَ مجرى التاريخ ! .

المقالة ليست بالضرورة تعبير عن رأي ’’خبر24’’ , بقدر ما هي تعبير عن رأي الكاتب.

اضف تعليق

Your email address will not be published.