logo

خمسة أسئلة تُجيبك: هل تُبشِّر شمس الصين الصناعية بنهاية العالم؟

يبدو أن سُمعة الصين بوصفها مصدرا للأوبئة والمشكلات، خاصة بعد جائحة “كوفيد-19” التي نشأت في مدينة ووهان الصينية، أعطت الكثيرين فكرة خيالية، ومرعبة في الوقت ذاته، عن أي شيء قادم من بكين. ومؤخرا، تسبَّبت “شمس الصين الصناعية” في جدل شديد، لم يخلُ من الزيف ونظريات المؤامرة، خاصة بعد أن أعلنت(1) وكالة الأنباء الرسمية لجمهورية الصين الشعبية (شينخوا)، خلال الأسبوع الأول من يناير/كانون الثاني الحالي، أن مفاعل الاندماج النووي الصيني “إيست” (EAST) قد حافظ على درجة حرارة مقدارها 70 مليون درجة مئوية لمدة 1056 ثانية، وهذا أكثر من درجة الحرارة في نواة الشمس بنحو خمسة أضعاف!

لماذا سُميت بالشمس الصناعية؟

بسبب الضغط الشديد في نواة الشمس ترتفع درجة الحرارة بشدة لتصبح نحو 15 مليون مئوية، فتتحوَّل المادة إلى حالتها البلازمية، وهي الحالة التي تنسلخ فيها الإلكترونات من الذرة لتسبح بحرية تامة في حساء حار، هنا يكون الوضع ملائما لحدوث اندماج نووي، يعني ذلك أن تجبر الحرارة أنوية ذرّات الهيدروجين كي “تندمج”(2) معا لتصنع الهيليوم، وفي أثناء ذلك يخرج قدر هائل من الطاقة، هو ما يعطي الشمس قدراتها بوصفها نجما.

نعرف أن الذرة، أية ذرة، تتكوَّن من إلكترونات تدور حول نواة، تحوي النواة بدورها جسيمات أخرى وهي البروتونات والنيوترونات. “العدد الذري” هو عدد البروتونات في نواة الذرة، وهو ما يُحدِّد طبيعة العنصر، فالهيدروجين تحتوي نواته على بروتون واحد، الهيليوم 2، الليثيوم 3، الكربون 6، الأكسجين 8، الكلور 17، وهكذا. التفاعل الذي يتحوَّل الهيدروجين خلاله إلى هيليوم غاية في التعقيد بالطبع، لكن الفكرة هي أن الاندماج النووي يدمج نواتَيْ ذرتين معا، فتجتمع بروتوناتهما، بالتالي يرتفع عدد بروتونات العنصر فيتحوَّل إلى عنصر آخر.

هذا أيضا ما يحدث داخل مفاعل “إيست” أو مفاعل توكاماك التجريبي المتقدم فائق التوصيل (Experimental Advanced Superconducting Tokamak)، حيث تُدمَج ذرات من نظائر الهيدروجين (الديوتيريوم والتريتيوم) معا لبناء الهيليوم، لذا سُميت بالشمس الصناعية.

لإحداث اندماج نووي في مكان آخر غير باطن النجم، يجب أن يتحايل العلماء للوصول إلى تلك الدرجات المرتفعة جدا من الحرارة، والأصعب الحفاظ عليها، حيث تُستخدم مغانط كهربائية فائقة التوصيل (مبردة بالهيليوم السائل) لكي تحصر البلازما في شكل حلقة ذات درجة حرارة هائلة، تُستخدم هذه المغانط أيضا لتثبيت البلازما بحيث لا تتلامس حتى مع جدران المفاعل، لأن ذلك لو حدث فإنها مع درجة الحرارة تلك ستخترق جدران المفاعل فورا، ويتوقف الاندماج النووي.

تصميم ثلاثي الأبعاد لأحد أنواع المفاعلات الاندماجية، تتسبَّب أجهزة المفاعل في تخليق مجال مغناطيسي قوي يحصر البلازما في غرفة تتخذ شكل قطعة “دونات” باللون الأرجواني، ولا تلمس جدان المفاعل.
هل هي تجربة وحيدة من نوعها؟
لا بالطبع، هناك الكثير من التجارب التي تنتهج تلك الآلية حول العالم، في الواقع فإن سر انتشار الخبر القادم من الصين هو أن “إيست” حطَّم الرقم القياسي السابق، الذي سجَّله المفاعل الفرنسي “توري سوبرا توكاماك” عام 2003، حيث ظلَّت البلازما عند درجات حرارة مماثلة لمدة 390 ثانية.

بدأت تجارب الاندماج النووي الأولى في ثلاثينيات(3) القرن، وبحلول منتصف الخمسينيات كانت آلات الاندماج النووي تعمل في الاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان. جاء أول إنجاز رسمي في هذا الصدد من الاتحاد السوفيتي عام 1968، حيث تمكَّن الباحثون هناك من تحقيق درجة من الثبات في درجات الحرارة لزمن قصير جدا لكنه غير مسبوق. منذ ذلك الحين، بدأت تطورات كبيرة في أبحاث الاندماج النووي أدَّت إلى تقدُّم مقداره آلاف الأضعاف في المدة التي يمكن قضاؤها في الحفاظ على ثبات البلازما. في الواقع، يقارن بعض العلماء بين معدلات التطور المتسارعة في علوم الحاسوب (التي تخضع لما يُسمى قانون مور) ومعدلات التطور في تقنيات الاندماج النووي.

حاليا، تجري أبحاث فيزياء الاندماج النووي والبلازما في أكثر من 50 دولة، وهناك أكثر من مئة تجربة أُجريت تخص الاندماج النووي. في الوطن العربي، هناك مفاعلان تجريبيان من النوع توكاماك(4)، الأول هو “إيجيبتور” في مصر، والثاني هو “ليبيتور” في دولة ليبيا، علما بأنه لم تتمكَّن تجربة واحدة في العالم كله من الوصول بعد إلى حد إنتاج الطاقة من التفاعلات الاندماجية، كما أن التجارب في الدولتين العربيتين لا تزال عند مستوى أوَّلي تماما.

خارطة لتجارب التفاعلات الاندماجية حول العالم، توجد أكبر التجارب حاليا في الصين واليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

لِمَ تُنفق الصين تريليون دولار في هذه التجربة؟
السبب في أن الاندماج النووي يُولِّد الكثير من الطاقة هو أن العنصر الجديد الناتج من الاندماج يزن أصغر من مجموع أجزائه، حيث يُحوَّل هذا الجزء الضئيل من المادة المفقودة إلى طاقة وفقا لصيغة ألبرت أينشتاين الشهيرة (E = mc 2).

يرمز الحرف “E” إلى الطاقة، بينما يرمز الحرف “m” إلى الكتلة، والرمز “c” إلى مربع سرعة الضوء، وهو رقم كبير جدا، لذلك يمكن لنا مثلا تحويل بضعة جرامات من المادة إلى أكثر من تريليون جول من الطاقة، وهذا كَمٌّ هائل منها، إنه تقريبا الطاقة التي يحتاج إليها شخص واحد في دولة مُتقدِّمة على مدى ستين عاما!

يُطلِق الاندماج النووي ما يقرب من أربعة ملايين ضِعْف الطاقة الناتجة عن التفاعلات الكيميائية التي تحدث أثناء احتراق الفحم أو النفط أو الغاز، وأربعة أضعاف الطاقة الناتجة من تفاعلات الانشطار النووي، أضف إلى ذلك أن وقود الاندماج النووي يتوفر على نطاق واسع ولا ينضب تقريبا، لأنه يمكن تقطير الديوتيريوم من جميع أشكال الماء (ماء البحر مثلا)، بينما ينتج التريتيوم أثناء تفاعل الاندماج النووي نفسه بسبب تفاعل مع الليثيوم، لذلك قد يؤدي استخدام طاقة الاندماج النووي -حال نجح الأمر يوما ما- إلى خفض أسعار الكهرباء عالميا انخفاضا ملحوظا.

لقد كان العلماء منذ الثلاثينيات من القرن الماضي قادرين على بدء الاندماج النووي ولكن بطرق لا يمكن السيطرة عليها (كما هو الحال في حالة القنابل الهيدروجينية)، لكن لتثبيت الاندماج النووي في المعامل يتطلَّب الأمر قدرا هائلا من الطاقة أكبر مما يُنتج من التفاعل.
هل يمكن أن ينفجر المفاعل أو تتسرب منه مواد مشعة؟
معايير الأمان في هذا النوع من التجارب مرتفعة جدا(5)، ببساطة لأن الاندماج النووي لا يستخدم مواد انشطارية مثل اليورانيوم والبلوتونيوم، فالتريتيوم ليس مادة انشطارية وليس قابلا للانشطار، ولا توجد مواد مخصبة في مفاعلات الاندماج النووي يمكن استغلالها لصنع أسلحة نووية.

أضف إلى ذلك أن هذا النوع من التفاعلات لا يسمح بوقوع حوادث نووية من نوع “فوكوشيما” (حادثة التسريب عام 2011)، لأنه في حال حدوث أي اضطراب تبرد البلازما في غضون ثوانٍ ويتوقف التفاعل كليا، ولا يوجد خطر من حدوث تفاعل متسلسل، من جانب آخر لا تُنتج مفاعلات الاندماج النووي نشاطا عاليا ونفايات نووية طويلة العمر.

وبالطبع لا يمكن أن تنبعث سموم ضارة من التفاعلات الاندماجية مثل ثاني أكسيد الكربون أو الغازات الدفيئة الأخرى في الغلاف الجوي. يُعَدُّ المنتج الثانوي الرئيسي لهذا النوع من التفاعلات هو الهيليوم، وهو غاز خامل وغير سام. في النهاية، حتى في “أسوأ السيناريوهات” المفترضة، مثل حدوث حريق في المفاعل، لن يكون إخلاء السكان المجاورين ضروريا.

ما مستقبل تلك التجارب؟

المفاعل الاندماجي “إيتر” الأكبر في العالم
يُستخدم المفاعل “إيست” لتجريب تقنيات من المقرر أن تُستخدم بدورها في مفاعل أكبر يُدعى “إيتر” (ITER)، الذي يعني “الطريق” باللغة اللاتينية، وهو أكبر مشروع نووي في العالم تتعاون فيه 35 دولة (كل دول الاتحاد الأوروبي مع المملكة المتحدة والصين والهند والولايات المتحدة). يحتوي هذا المفاعل على أقوى مغناطيس في العالم، تبلغ قوته 280 ألف مرة قوة الحقل المغناطيسي الخاص بكوكب الأرض. من المتوقَّع أن يبدأ تشغيل مفاعل الاندماج هذا في عام 2025. (6)

الاندماج النووي هو تقنية يمكن أن توفِّر بأمان سيلا هائلا وثابتا من الكهرباء، قال آرثر ستانلي إدنغتون، عالِم الفيزياء والرياضيات البريطاني الشهير، ذات مرة: “نحلم أحيانا أن تصل البشرية يوما ما إلى النقطة التي تتمكَّن فيها من استخراج هذا النوع من الطاقة واستغلالها لخدمتها، إنه مخزون لا ينضب. هناك ما يكفي منه في الشمس للحفاظ على إنتاجها من الحرارة لمدة 15 مليار سنة”، لكن هل سنصل إلى هناك يوما ما؟

رغم كل ما أنجزه العلماء في نطاق طاقة الاندماج النووي، فإن كل ما حقَّقناه لا يتعدى حد النطاقات التجريبية، لم نتمكَّن بعد من الوصول إلى اللحظة التي يكون فيها ناتج الطاقة من التفاعل الاندماجي أكبر من الطاقة المُستهلكة لإحداثه من الأساس، كذلك فإننا بحاجة إلى مدة أطول تثبت خلالها البلازما أثناء التفاعل. ورغم ذلك هناك الكثير من الأمل، حيث يُعتقد(7) أن بحلول عام 2040 ستبدأ بعض دول العالم في استغلال طاقة الاندماج النووي لتوريد الكهرباء إلى مُدنها.

المصدر: وكالات

اضف تعليق

Your email address will not be published.