logo

المشروع الاردوغاني لتغيير ديمغرافية غربي كردستان

الجزء الأول

لماذا يثير اردوغان قضية المهاجرين السوريين، ويخطط لبناء 200 ألف شقة سكنية لهم في غربي كردستان، في هذه المرحلة وحيث الصراع الدولي على أشده، وسوريا لا تزال تعيش الحرب بكل أبعادها، والمعيشة في أرذل حالاتها، ومجتمع المخيمات يغرقون في المآسي؟

هل هي دعاية انتخابية أردوغانية على حساب الشعبين الكردي والعرب المهاجرين؟

أم أنها حرب مباشرة ضد الشعب الكردي، ومخطط لخلق بؤر صراع دائمة بين الشعبين الكردي والعربي على جغرافية غربي كردستان؟

اعتمدت الإمبراطوريات على المجازر والقتل الجماعي لبسط سيطرتها؛ لكنها نادرا ما استخدمت التغيير الديمغرافي للشعوب لترسيخ سيادتها على الجغرافيات، يستثنى منهم الإمبراطوريتين الصفوية والعثمانية وتعاملهم مع الشعب الكوردي حصراً، وأنظمة الدول الأربعة المحتلة لكردستان منذ بدايات القرن الماضي وحتى الأن. وقد كان للشعبين الكردي واليهودي جدلية مختلفة عن جميع شعوب العالم، والأسباب في الحالتين عدة، وهي مختلفة ما بين كردستان وأرض الكنعانيين، فهناك وحيث خلفيات الهجرة الطوعية والتهجير القسري لليهود، إما على أبعاد اقتصادية أو دينية، إن كانت في مراحل الهجرة إلى مصر الفرعونية والعودة إلى أرض كنعان، وما أقدمت عليها الإمبراطورية البابلية لاحقاً، أو عند ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية والقضاء الكلي على مجمعاتهم، إما بالقتل الجماعي أو تهجيرهم، وما تلتها من عمليات التهجير حتى منتصف القرن الماضي، وفي كل المراحل لم يتم تسكين شعوب في أماكنهم بالقوة، وما تم كانت على خلفية الهجرات الطوعية والبحث عن جغرافيات أنسب للعيش.

القضية عكسية وأعقد بالنسبة للشعب الكردي، إن كانت تاريخيا أو قوميا، لم يكن للبعد الديني الدور الرئيس فيما حدث مثلما جرى للشعب العبري وما عانوه على خلفياتها، والذي أدى إلى أن أصبح الانتماء الديني هو ذاته القومي، بل وهو المهيمن. لكنها في كردستان، وبعد مراحل تاريخية معينة، خاصة بعد القضاء على الإمبراطورية الساسانية، وشبه القضاء على الديانات الكردية (الزرادشتية، والمانوية، والمزدكية، والأزداهية) لم تعد القوى الغازية تعير كثير اهتمام للجغرافية الدينية، باستثناء ما حصلت في القرون المتأخرة من عصر الخلافة العباسية، وما بعدها، أي في مراحل الصراع بين الصفويين المتمثلة بالمذهب الشيعي، والعثمانية-السنية، وهنا لا ننوه إلى الصراعات المذهبية السابقة، كما حدث بين الخلافتين الفاطمية والعباسية، والتي كانت للدولة الأيوبية الدور الرئيس في مجرياتها، لأنها لم تؤدي إلى التغيير الديمغرافي للشعب الكردي بشكل قسري، رغم تهجير بعض القبائل من كردستان وإسكانهم في دمشق ومصر أو شرق فلسطين واليمن وغيرها من المناطق التي أصبحت ضمن جغرافية الدولة الأيوبية، والاعتماد عليهم كقوى عسكرية مساندة، والحركة السكانية هذه حصلت من جهة واحدة، لم يتم إسكان شعوب أخرى مكانهم، أي الغاية لم تكن لإفراغ كردستان أو القيام بالتغيير الديمغرافي للشعب الكردي، فقد امتلأت مناطق تلك القبائل بأبنائها الباقون، كما وأن أجيالهم في المهجر لا زالوا ينقلون تاريخ أجدادهم، وكثيرا ما تظهر الدراسات الديمغرافية-التاريخية حولهم.

الأنظمة المحتلة لكردستان، والتي لم تتمكن من خلق الاستقرار الكلي، من خلال السيادة السياسية، والإدارية، ونهب الخيرات، منذ البدايات، طمحت لأسكان شعوبها بين الشعب الكوردي، بعضها كانت قد خسرت جغرافياتها ووجدت ملاذها في الجغرافية الجديدة، كالشعب التركي، والعربي بعد الهجرات العربية الإسلامية على خلفية الغزوات، وما بعدها حتى بدايات القرن الماضي، وهو ما أدى إلى قيام الثورات والانتفاضات العديدة والتي تجاوزت المئات، الظاهرة النادرة بين شعوب العالم، حيث هذا الكم من الثورات المتتالية ضد محتليهم.

ولعدم تمكنهم من السيادة المطلوبة، كان لا بد من خلق البيئة الآمنة لشعوبهم في المناطق التي يتم إسكانهم فيها، وذلك عن طريق إفراغ الجغرافية التي يطمحون إليها، أي في الواقع العملي، طموح لترجيح النسب الديمغرافية ما بين الشعب الأصيل والقادم، وتمت على أسسها محاولات عدة للتغيير الديمغرافي، وهو ما يلاحظ وجود الشعب الكردي في مناطق متفرقة خارج جغرافيتهم، وحيث أقصى المناطق التابعة للإمبراطوريات والأنظمة المحتلة لكردستان، من شمال غربي إيران، وكازاخستان، إلى غربي الأناضول على أطراف أنقرة، وغيرها من الجغرافيات، مقابل زرع مجموعات من الشعوب الفارسية والتركية والعربية في مناطقهم، والفرق بين الحالتين، معظم الكرد في المهجر لم يخسروا ماهيتهم القومية بقدر ما خسرت الشعوب الأخرى في المراحل التاريخية الماضية انتماءاتهم القومية.

معظم الأهداف فشلت نسبياً، من حيث إفراغ كردستان من شعبها، إلى عملية توطين الشعوب الغريبة، باستثناء حالة واحدة تمكنت منها الاتحاد السوفيتي بزعامة ستالين، من القضاء على الوجود الكوردي ككيان سياسي في المنطقة الشمالية لكوردستان وغابت عن الخريطة كوردستان الحمراء. والمرعب هو قادم غربي كوردستان، والتي تكاد أن تفرغ من شعبها الأصلي، وما يخطط له تركيا والنظام البعثي.

ما يلاحظ، من خلال ما تم، إلى جانب التسريبات حول مسيرة تسكين المهاجرين السوريين في المنطقة الكوردية، تبين أن المنهجية الفجة، والعنصرية بحق الأمة الكوردية، لم تقف، لكن؛ وعلى خلفية التغييرات الكبرى في العلاقات الدولية، وسهولة انتشار المعلومات، يتم تنفيذ المخطط بخباثة، سياسية-اقتصادية متداخلة، ويتم تغطيتها بعرض مشاريع: على أنها وطنية، ومن أجل تطوير اقتصاد الدولة، أو تحسين معيشة الشعب، تكاد تكون مشابهة لما نفذه النظامين، الناصري والبعث، وطبقها كل من عبد الناصر في غربي كردستان، تحت مبررات الإصلاح الزراعي، ومثله البعث الصدامي في جنوب كردستان، تحت منهجية القضاء على الثورة الكردية، بعكس حافظ الأسد، والذي نفذ مشاريع عبد الناصر، مع إضافة أسماء جديدة عليها ، كحجة غمر القرى العربية بجانب نهر الفرات، وإنشاء مزارع متطورة للدولة، وغيرها. ومثلها تركيا على خلفية بناء مشاريع عدة، كانت في الواقع مهمة، لولا ما تم من التغيير الديمغرافي، المرافق للصراع المستمر بين الشعب الكوردي والحكومات الطورانية المتتالية، وأخرها، والتي لا تزال مستمرة؛ بين حزب العمال الكوردستاني والسلطات التركية على مدى العقود الماضية. وما يجري حاليا غربي كوردستان امتداد للعمق الكوردستاني الجزء المحتل تركيا.

وهذا هو الأغرب من بين جميع المخططات…

د. محمود عباس:  كاتب كردي سوري

 

اضف تعليق

Your email address will not be published.