logo

تركيا وسيط منحاز لأوكرانيا وتخشى غضب روسيا

 

دارا مراد ـ xeber24.net

بدخول الحرب الروسية في أوكرانيا أسبوعها الثاني، تجد تركيا نفسها في موقف محرج, فهناك علاقات جغرافية واقتصادية وسياسية وعسكرية تربطها مع طرفي الحرب، فإن الخيارات التي ستتخذها أنقرة ا ستغضب أو تخيّب آمال أحد الطرفين، وحسابات تلك الخيارات ستصبح أكثر تعقيدًا مع استمرار الصراع.

تركيا تنتمي لحلف الناتو، وهو ما وصفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه سبب رئيسي لبدء العمليات العسكرية، وبينما يرفض الناتو صراحة التدخل المباشر، إلا أنه قام بحشد قوته السياسية الكبيرة لإظهار جبهة موحدة ضد روسيا.

وكتب الكاتب المعروف ’’هنري باركي’’ مقالة له في جريدة العرب , تطرق فيه الى وضع تركيا المحرج ضمن الأزمة الأوكرانية التي تعصف بأوروبا أكثر شيئ.

وقال الكاتب أن هناك ثلاثة أطراف تسحب تركيا صوبها، وهي روسيا وأوكرانيا وإجماع الناتو بقيادة الغرب، ويُعد الناتو طرفا محفوفا بالمخاطر، لاسيما بعد شراء تركيا لصواريخ أس – 400 الروسية المتطورة المضادة للطائرات وانزلاق أردوغان نحو الاستبدادية.

أفضل ما يمكن لأردوغان فعله هو الاستعداد لعجز ونقص محتمل، ومن بين الخيارات القليلة المتوفرة لديه، التسريع في التقارب مع الشرق الأوسط، وخاصة مع مصدري الهيدروكربونات، في حال كان عليه تعويض الواردات الروسية المفقودة.

كما أن علاقات تركيا الاقتصادية مع أوكرانيا وروسيا كبيرة وواسعة، حيث تستورد تركيا ما يقرب من 45 في المئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا و70 في المئة من القمح (بينما توفر أوكرانيا 15 في المئة من الحبوب). وبنفس القدر من الأهمية، تعد تركيا وجهة صيفية أولى للسياح الروس والأوكرانيين، حيث يزورها 5 ملايين سائح سنويًا، وفي مواجهة أزمة المدفوعات، قد يكون لانهيار موسم السفر الصيفي في تركيا تداعيات خطيرة على اقتصادها.

تبيع تركيا طائرات دون طيار لأوكرانيا، وهو الأمر الذي أثار استياء موسكو كثيرًا، وقد أثبتت تلك الطائرات فعاليتها في العديد من ساحات القتال، بما في ذلك المعركة الحالية، حيث أعلنت كييف يوم الأربعاء أنها تلقت شحنة جديدة، وتعد الطائرات دون طيار مصدر فخر للأتراك ودليلا على التطور الإلكتروني التركي، لكن من خلال الاستمرار في تصديرها إلى أوكرانيا، لن يؤدي ذلك إلا إلى زيادة غضب روسيا ونقمتها.

وهناك قضايا أخرى تتصادم فيها تركيا مع روسيا، أو تعول فيها أنقرة على حسن نية موسكو لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وتعد سوريا أكبر تلك القضايا، حيث تدعم روسيا بشار الأسد الذي لا يزال في السلطة بسبب التدخل الروسي، بينما تسطر تركيا غلى المعارضة. ومع ذلك، أعطى الكرملين شيئا من الحرية للعمليات التركية ضد الكرد في سوريا ، وبالنسبة إلى الأتراك الذين غزوا بالفعل أجزاء من الأراضي الكردية ’’السورية’’ المعروفة، فإن منع ظهور أيّ كيان سياسي كردي في شمال سوريا هو ضرورة استراتيجية لها.

ويعد البعد الجغرافي بمثابة تحد آخر، فوفقًا لاتفاقية مونترو لعام 1936، تدير تركيا مضيق البوسفور والدردنيل في البحر الأسود، وهي نقطة خلاف لكلّ من أوكرانيا وروسيا، وهما قوتان تطلان على البحر الأسود، وقد قامت تركيا حتى الآن بإدارة الاتفاقية باقتدار ونزاهة. وكانت تركيا تفضل البقاء خارج دائرة هذا الصراع، لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي طلب من الأتراك النظر في بنود “الحرب” الخاصة بالاتفاقية، وبالتالي منع عبور السفن الحربية، وقد امتثلت تركيا في السابع والعشرين من فبراير، ووصفت التوغل الروسي في أوكرانيا بأنه “حرب” وتعهدت بإغلاق المضيق في وجه السفن الروسية.

وكان طلب زيلينسكي سياسيًا بدرجة أكثر من كونه استراتيجيا، بقصد دفع تركيا لاتخاذ موقفً. وقد تم إغلاق المضائق الآن أمام السفن الحربية من جميع الدول الأخرى، بما في ذلك أعضاء الناتو، وقد تكون النتيجة غير المقصودة هي أن إمدادات الإغاثة المستقبلية لأوكرانيا لن ترافقها السفن البحرية لقوات التحالف.

وقد وجه أردوغان انتقادات لحلف شمال الأطلسي في البداية، مشيرًا إلى أن رد التحالف لم يكن قويًا بما يكفي. ومع ذلك، فقد حرص أيضا ألا يدير ظهره لروسيا أو لأوكرانيا. وكان الحل الذي طرحه هو من خلال تقديم نفسه كوسيط لحل الصراع. وتجنب أردوغان إثارة غضب بوتين من خلال الامتناع عن التصويت في المجلس الأوروبي حول قرار بتعليق عضوية روسيا، ولكن عندما واجه انتقادات، شارك في رعاية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي أدان الهجوم الروسي.

هناك قضايا أخرى تتصادم فيها تركيا مع روسيا، أو تعول فيها أنقرة على حسن نية موسكو لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

وقد أعلنت تركيا أنها لن تتبع الغرب فيما يخص تطبيق عقوبات صارمة ضد روسيا، وهناك نوعان من الأسباب لذلك. الأول هو سبب سياسي، حيث خلقت سنوات من الخطاب المعادي للغرب من قبل أردوغان ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة أجواء غير مرحبة بالسياسات الغربية، وخاصة السياسات الأميركية، ويعتقد الكثيرون في تركيا أن بوتين قد خُدع بالحرب على أوكرانيا حتى يتمكن الناتو من توجيه ضربة حاسمة له، وعليه فإن اتخاذ موقف قويّ ضد موسكو قد يثير معارضة داخلية (حتى لو أدى تدمير أوكرانيا واحتلالها إلى زيادة الضغط الخارجي على أنقرة بشكل أكبر).

ويتعلق السبب الثاني والأكثر أهمية بالآثار الاقتصادية للعقوبات على الاقتصاد التركي، الذي يعاني من تقلص احتياطيات البنك المركزي وضعف العملة، فضلا عن التضخم المرتفع. ومع اعتماده على روسيا لتزويده بالقمح والوقود والسياح، فليس لدى أردوغان مجال للمناورة ولا القدرة على التأثير على الأحداث المستقبلية. وهذا أيضًا يجعل تركيا وسيطا غير محتمل في الصراع، فلدى الروس طرق عديدة لممارسة الضغط على أردوغان بينما لا تملك أوكرانيا أيّا من تلك الطرق.

وأفضل ما يمكن لأردوغان فعله هو الاستعداد لعجز ونقص محتمل، ومن بين الخيارات القليلة المتوفرة لديه التسريع في التقارب مع الشرق الأوسط، وخاصة مع مصدري الهيدروكربونات، في حال كان عليه تعويض الواردات الروسية المفقودة.

في المستقبل البعيد، ماذا لو تحولت أزمة أوكرانيا إلى تمرد طويل الأمد تدعمه دول الناتو؟ فهنا ستخيب كل التوقعات، حيث ستتفاقم التحديات الاقتصادية بسبب المشاكل العسكرية المحتملة، وكلما طالت مدة هذه الحرب، زادت احتمالية عدم وجود خيار آخر أمام أنقرة سوى تعزيز علاقاتها مع شركائها في الناتو.

جريدة العرب

Comments are closed.