logo

البوصلة السياسية

ثار الشعب على نظام القمع والاستبداد مطالباً بالحرية والكرامة، ولكن هذه الثورة الشعبية، كغيرها من الثورات، أفرزت أيضاً قوى رجعية وظلامية تشكل خطرا حقيقيا عليها. وهي من مكونات الثورة المضادة، التي يعني تجاهل تأثيرها أو نفيه ترك الثورة فريسة لها وتعريضها لخطر جدي باجهاضها، ولقد أسس لها سكوت برهان غليون على مخالفات الاخوان، واعتراف معاذ الخطيب بالنصرة في مراكش أنها جزء من الثورة، وأكد جورج صبرة ذلك برعونة أن جبهة النصرة مكون من مكونات الثورة، وقبل الجميع جرى غش ميشيل كيلو بطبع عدة قبلات وإظهار نوع من الود من مقاتليها وحسن استقبالهم له في رأس العين جعله يبرر لوجود قوى معتدلة بين هؤلاء .
المشكلة ليست في الإيمان الديني للناس من عدمه، وهو حق لا نقاش حوله، بل المشكلة تكمن في أنه لا يجوز تبرير ممارسات رجعية ومضادة للثورة بحجج أن أغلبية الناس في بلادنا مؤمنين أو مسلمين. وأن العدو الرئيسي هو النظام فقط. لا هذا غير صحيح.
فالعدو الرئيسي للثورة ليس النظام وحده، بل كل مكونات الثورة المضادة التي تشمل المجموعات التكفيرية الرجعية. وهذا ما يؤكده مواجهة الجماهير الشعبية في المناطق التي تعمل فيها هذه المجموعات على فرض نموذجها السياسي والاجتماعي الرجعي والظلامي، لأن الخطر ليس في قضية الإيمان الديني، وهو حق لا يناقش أصلا، الخطر هو في البرامج والممارسات التي تحملها هذه المجموعات الرجعية وتعمل على فرضها بالقوة والعنف، لان كلاً منها يدعي انه حامل كلام الرب الصحيح وحده، أي تعتبر نفسها أنها هي وحدها الفرقة الناجية، ومن يقول ذلك لا يترك مكانا لاجتهاد البشر.
والدولة الإسلامية في العراق والشام داعش (مع شقيقتها النصرة) أعلنت في بياناتها بدء حملة “نفي الخبث” والسعي لضرب “المنافقين” أي كل من خالفهم وأظهر الاعتدال، وان كنا نعتقد أن المعتدلين الذين رفضوا داعش يحملون مشروعا مشابهاً لكنه أقل عنفاً، فكتائب الفاروق أعلنت في بيان لها في 12 أيلول 2013 ردا على داعش أن ما تعمل له هو “أنها لا ترضى بغير الإسلام وشريعته قانونا ودستورا وترفض كل الأفكار المستوردة والعقائد المرذولة، والتقاليد المذمومة، والأطروحات المخالفة لشرع الله، كالديمقراطية، والدولة المدنية والعلمانية بكل مفاهيمها…”. وكذلك الجبهة الإسلامية الموحدة حين أعلن الناطق باسمها (البازرباشي) أنه لامكان للديمقراطيين في سوريا ، وأن هناك دولاً دينها الديمقراطية فليذهبوا إليها. إنه يعلنها حربا على الديمقراطيين وأنه لا مكان لهم حيث حضرت هذه المجاميع التأسلمة.
اذا، نحن هنا أمام برنامج فاشي ورجعي واضح وصريح لهذه القوى الظلامية، وإن حدث صراع فيما بينها فإنه إنما يدور، أيديولوجيا، حول من يحتكر فيما بعد تمثيل الرب على الأرض، أما واقعيا، فان تناحرهم هو لتقاسم مناطق النفوذ والغنائم.
إنه برنامج رجعي ومضاد للثورة، وممارسات هذه المجموعات الرجعية هي ممارسات فاشية لن تخدم الثورة ولا أهدافها الوطنية.
أما المعارضة التي وصلنا إلى نتيجة معارضتها، وفشلها اللامحدود بغياب البوصلة السياسية عنها، وبارتجالها وباستلحاقها لأجندات خارجية، وتبعيتها وتركيبها وممارساتها التي تشبه النظام، فهي أكثر ارتدادا على الثورة، وهي خنجر في ظهرها وليست مجرد ثورة مضادة، ولن يصلحها العطار مهما حاول، والتجريب في المجرب تخريب، فلابد من إعادة توجيه البوصلة وإعادة قراءة مفهوم الثورة التي يبدو أنها تحتاج لإعداد جديد من جديد، وقد يطول الأمر قليلا لأنه لا يوجد حامل لها بوجود هذا العدد من الثرثارين والمحللين بلا طعم ولا لون.

Comments are closed.