logo

ملاحظات حول دعوة روسيا الإدارة الذاتية للحوار مع النظام السوري

 

نشر موقع المدن الالكتروني، يوم السبت 15/1/2022، خبراً عن آخر تصريح لوزير خارجية روسيا؛ “سيرغي لافروف” حول سوريا تحت عنوان؛ “لافروف يطالب الأكراد بمحاورة النظام: مصير سوريا لا تقرره واشنطن”، ويخبرنا الموقع بالتفاصيل كما يلي: (أعلن وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف أن الاتصالات التي تجريها موسكو مع أكراد سوريا تهدف إلى إقناعهم بإطلاق حوار جاد مع حكومة النظام السوري بدلاً من التعويل على دعم الولايات المتحدة. وقال إن الولايات المتحدة “ليست هي من يقرر مصير سوريا”.

وأكد لافروف خلال مؤتمر صحافي حول نتائج عمل الدبلوماسية الروسية في 2021، أن موسكو في اتصالاتها مع الرئيسة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية إلهام أحمد وزملائها الأكراد تسعى إلى أن “توضح لهم ضرورة إطلاق حوار جاد مع دمشق بشأن الظروف التي سيعيش فيها الأكراد داخل الدولة السورية”. ولفت لافروف إلى أن هناك بعض التحفظ لدى الحكومة السورية إزاء الأكراد، موضحا أن النظام السوري لم ينسَ أن الأكراد اتبعوا نهجاً معارضاً له في المراحل السابقة من النزاع. وشدد على أن هدف الدبلوماسية يكمن في “تجاوز الماضي وإقامة علاقات للمستقبل”، مشيرا إلى أن سوريا في هذه المسألة قد تستفيد من تجربة العراق المجاور).

وسضيف الموقع كذلك؛ (وذكّر لافروف بأنه قبل عامين خلال زيارته إلى دمشق وأربيل دعم بالقوة فكرة تكثيف الاتصالات بين أكراد سوريا والعراق بهدف تبادل أكراد العراق مع أشقائهم السوريين تجربتهم بشكل أنشط. وأقر بأن القضية الكردية تشكل حالياً أحد العوائق أمام إطلاق التفاوض الشامل بشأن تسوية النزاع، موضحاً أن اللجنة الدستورية التي تعقد اجتماعاتها في جنيف تضم عددا من الأكراد لكنهم لا يمثلون كافة الجهات الكردية في البلاد.

وذكّر لافروف بأن الأكراد، عندما أعلنت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن نيتها سحب القوات من سوريا بالكامل، تواصلوا فوراً مع روسيا بطلب مساعدتهم في إطلاق حوار مع دمشق، غير أن اهتمامهم بذلك اختفى بمجرد مراجعة واشنطن قرارها. وتابع: “هذه هي الحياة، لكن الأفق يجب أن يكون أبعد بالنسبة للسياسيين الأكراد.. لا شك في أن الأميركين ليسوا من سيحدد مصير سوريا”). ويختم الموقع تقريره حول الموضوع بالقول: (وكان لافروف قد دعا في 22 كانون الأول/ديسمبر 2021، الجماعات السياسية الكردية في سوريا إلى “تقرير نهجهم إزاء الحوار” مع حكومة النظام السوري، مؤكداً أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا “سينتهي عاجلاً أم آجلاً”).

الملاحظة الأولى هي شكل الدعوة وتوقيتها حيث نجد بأنها المرة الأولى والتي يتم علانية بدعوة الكرد للحوار مع النظام السوري من قبل أهم حليف لهذا الأخير، نعم كانت هناك بعض التصريحات والدعوات بهذا الشأن، لكن بقناعتي كانت تتم عبر الأبواب الخلفية أكثر من أن تكون دعوات ديبلوماسية، بينما هذه المرة تأتي الدعوة من رأس الديبلوماسية الروسية وهي الدولة ذات الشأن الكبير في تقرير مصير البلد، بل أهم دولة بحكم حجم تدخلها العسكري والاقتصادي والضوء الأخضر الممنوح لها أمريكياً ودولياً وإسرائيلياً لتقرير مصير سوريا ضد التمدد الإيراني في المنطقة، ثم توقيت الدعوة كذلك لها خصوصيتها حيث صراعها مع تركيا في مناطق الصراع بينهما فيما كانت تسمى بجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وخاصةً تلك الناطقة بالتركية وبالأخص في كازاخستان مؤخراً حيث كل طرف يحاول إقصاء الآخر.

الملاحظة الأخرى أو الثانية هي محاولة تهويم الكرد، بأن لا دور مهم للولايات المتحدة الأمريكية في سوريا حيث أكد في تصريحه بأن؛ “ليست هي من يقرر مصير سوريا”! وبالتالي يجب أن لا يعول الكرد -وتحديداً طرف الإدارة الذاتية- عليها، بل يجب الذهاب إلى دمشق والحوار معها حول مشروع سياسي لصالح الطرفين. طبعاً هنا يحاول الروس تخويف الكرد من مصير مشابه للأفغان أو إعادة سيناريوهات أمريكا بالتخلي عن “حلفائها” ومنهم الكرد أنفسهم؛ إن كان شعبنا في الإقليم مع قضية الاستفتاء والسماح للحشد الشعبي وإيران باحتلال كركوك والمناطق الكردستانية المستقطعة أو في روجآفا وتركهم تحت “رحمة” العدوان الغاشم لتركيا واحتلالاتها لعدد من المناطق الكردية -عفرين وسري كانية وغيرهما- لكن يتناسى الوزير قضيتين مهمتين؛ بأن تركيا ما كانت لها أن تحتل لو إنها لم تأخذ الضوء الأخضر من الطرفين الروسي والأمريكي معاً وبالأخص عفرين، والنقطة أو القضية الأخرى؛ بأن لولا الدعم الأمريكي -ولو المحدود- للإدارة الذاتية لكانت تركيا وقبل النظام ومعها روسيا، احتلوا كل المناطق الحالية الموجودة تحت نفوذ الإدارة الذاتية، ناهيكم أن يدعو الوزير ممثلي الإدارة الذاتية لموسكو لأجل إقناعهم بالحوار مع دمشق؛ أي وجود الإدارة وإستمرارها مرهون وللأسف بالدعم الأمريكي أولاً، ولا ثقة كبيرة بحلف أستانة والتي روسيا جزء مهم منها!

الملاحظة الثالثة حول كلام الوزير الروسي لافروف هو أن الروس وفي كل خطاباتهم يحاولون وضع اللوم على الطرف الكردي -الإدارة الذاتية- مرة باللاجدية بحواراتها ومرة بإتهامها بالاعتماد على الأمريكان، رغم أن الإدارة لم تجد من يمد لها اليد غير الأمريكان وإلا ما كانت أعتمدن كلياً عليها، وخاصةً هناك خلاف في العقلية والمنهجية الفكرية السياسية بينهما، لكن ظروف الحرب وعداوة تركيا والمعارضة الإخوانية وداعش وكل الجماعات التكفيرية وفوقهما الصراع مع النظام على قضية النفوذ على هذه الجغرافيات، جعلت الإدارة بحاجة إلى طرف لدعمه ولم تجد غير الأمريكان وهذه الأخيرة هي أيضاً كانت بحاجة لطرف محلي كي تثبت أقدامها في سوريا ولم تجد أمامها سوى القوات الكردية -وحدات حماية الشعب وبعدها قوات سوريا الديمقراطية- وذلك بعد أن خذلتهم كل الميليشيات التي دعمتها فيما سبق.

وهكذا كان الطرفين بحاجة لوقوفهما معاً؛ بمعنى توافق المصالح وليس الأهداف وبالتالي الإدارة الذاتية تعمل بشكل جاد لايجاد توافق مع النظام، انطلاقاً من قاعدة أن الدعم والبقاء الأمريكي بالمنطقة حتى وإن أستمر طويلاً فهو لن يقدم الحلول النهائية، بل التوافق مع دمشق سيكون الحل المستدام لها، لكن للأسف عقلية النظام في دمشق ما زال مرهون بالأجندات والحلول الأمنية وبأن تعود الأمور إلى سابق عهدها وكأنك “يا زيد ما غزيت”، وهذه ما ترفضها الإدارة وشعبنا عموماً ولذلك فمن الحكمة والمنطق والأخلاق أن تضغط موسكو على دمشق بخصوص المفاوضات لا أن تحمل الإدارة الذاتية تبعات فشلها!

الملاحظة الرابعة بخصوص التصريح الروسي هي قضية الربط بين حقوق شعبنا وأهدافه السياسية في كل من سوريا والعراق وهي ملاحظة مهمة وإن كانت لكل تجربة؛ إقليم كردستان وروجآفا، خصوصيتها وأهدافها وبرامجها السياسية ومنطلقاتها الفكرية النظرية، إلا إنه تأكيد من جانب دولي على مشتركات تجمع شعبنا في كل الأجزاء حول المصير الواحد المشترك وتأكيد دولي روسي على أن القضية الكردية يجب أن تجد مسارها للحل في المنطقة وأن دون ذلك لا يمكن للشرق الأوسط أن يستقر، وهذه تعتبر قفزة كبيرة لنضال شعبنا ضد قوى الطغيان والاستعباد الدولي لها حيث أكد الوزير الروسي في تصريحه على التالي: “وذكّر لافروف بأنه قبل عامين خلال زيارته إلى دمشق وأربيل دعم بالقوة فكرة تكثيف الاتصالات بين أكراد سوريا والعراق بهدف تبادل أكراد العراق مع أشقائهم السوريين تجربتهم بشكل أنشط. وأقر بأن القضية الكردية تشكل حالياً أحد العوائق أمام إطلاق التفاوض الشامل بشأن تسوية النزاع” و”مشيرا إلى أن سوريا في هذه المسألة قد تستفيد من تجربة العراق المجاور”.

وهذا ما أكدناه عليه دائماً في كتاباتنا حول الواقع والجغرافية السياسية المشابه بين البلدين؛ سوريا والعراق وبالتالي حلول مشابهة، وإن الإقرار بها من قبل طرف دولي مثل روسيا يعتبر تقدماً وإنجازاً لشعبنا في سوريا تسجل للإدارة الذاتية والفريق السياسي الذي يقودها وخاصةً أن الطرف الكردي الآخر؛ المجلس الوطني الكردي وللأسف لم يحقق منجزاً حقيقياً من خلال مشاركته مع ما تسمى بالمعارضة السورية.

الملاحظة الخامسة والأخيرة؛ الإعتراف والإقرار شبه الرسمي -وربما لأول مرة- بضرورة مشاركة الإدارة الذاتية بالحل السوري وذلك من خلال تأكيده؛ أي لافروف أن الكرد غير ممثلين تماماً في مفاوضات جنيف حيث قال “موضحاً أن اللجنة الدستورية التي تعقد اجتماعاتها في جنيف تضم عددا من الأكراد لكنهم لا يمثلون كافة الجهات الكردية في البلاد” وهذا إقرار بأن يجب تمثيل الإدارة الذاتية في تلك المفاوضات وهو روسي ربما للمرة الأولى بضرورة مشاركة الفريق السياسي الممثل للإدارة في لجنة التفاوض وغيرها من الفعاليات ذات الشأن بالقضية وهو سيعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح بقناعتي حيث حينها ستكون كل الأطراف؛ النظام والمعارضة والإدارة الذاتية حاضرين حول طاولة المفاوضات لأجل إيجاد مخارج سياسية للأزمة السورية ويعتبر نجاحاً ديبلوماسياً وسياسياً تحسب لصالح الإدارة الذاتية ونهاية لكل تلك الفرقعات والمزايدات من قبل بعض سذج السياسة والقول؛ “نحن نمثل الكرد سياسياً تفاوضياً ولا إعتراف ولا دور للإدارة الذاتية في المحافل السياسية الدولية” وبالتالي واعتماداً على تلك النظرة السطحية كانوا يبنون تصوراتهم الساذجة عن أن الأطراف الدولية سوف “تسلمهم تلك المناطق بعد الوصول للحلول النهائية” أو على الأقل “سيكون هم من يمثلون الطرف الكردي في النظام السياسي القادم لسوريا!”.

بالأخير نعود ونقول؛ بأن الإدارة ليست هي من تعرقل المفاوضات مع دمشق وإنما النظام السوري وإذا كان الروس والوزير لافروف جادين في إيجاد صيغة للتفاهم بين الطرفين، فما عليهم إلا الضغط على دمشق للقبول بإيجاد صيغة سياسية للإعتراف بالإدارة الذاتية على أساس اللامركزية في الحكم -والتي طرحتها روسيا نفسها في مرحلة سابقة- وعندها سوف نتأكد بأن الموقف الروسي جاد لإيجاد مخرج حقيقي للتفاوض والحل النهائي وليس لاستخدام الورقة الكردية والإدارة الذاتية كورقة ضغط على الأمريكان وقبلهم على حلفائها في أستانة وبالأخص تركيا منها في قضية الصراع والنفوذ على الجغرافيا السياسية والمياه الإقليمية وخطوط الإمداد للطاقة للقارة الأوربية وغيرها من القضايا والملفات الساخنة في الصراع التركي الروسي الأمريكي.

Comments are closed.