logo

تقسيمات سان ريمو الاستعمارية .الشعب الكوردي على أعتاب الحرية ودوره القيادي

قبل أكثر من مائة عام من الأن و قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى ، أي في عام 1914 ،التقت القوى الكبرى في ذلك التاريخ ، ممثلة ببريطانيا العظمى وفرنسا ،وحددتا مستقبل و مسار التقسيمات الاستعمارية في الشرق الأوسط ، و قد أكدتا بأن الإمبراطورية العثمانية قد دخلت شيخوختها وأمست رجلا مريضا بعد أربعمائة عام من قيامها ، معتبرة أن عهدها قد انتهى و مرحلتها الإمبراطورية قد أفلت .
و ما إن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ، حتى بدأت إرهاصات التقسيمات الجيوسياسية المعروفة

باتفاقية سايكس بيكو التي رسمت الحدود وجلبت أسرا حاكمة من شبه الجزيرة العربية ونصبتهم حكاما غرباء في سوريا و العراق و الأردن ، في وقت اعتلت آل سعود عرش الحكم في الجزيرة العربية مؤسسة المملكة العربية السعودية ، و كانت هذه التغيرات أحد معالم ظهور نظام عالمي ما بعد الحرب الكونية الأولى في منطقة الشرق الأوسط .على أن الآلية المتبعة في التقسيمات الاستعمارية اللاحقة على

هزيمة الدولة العثمانية في حربها مع الغرب ، لم تورث شقاقات و تناقضات في مكونات الدول الوليدة فحسب و إنما ساهمت في إحداث تشوه إيديولوجي في الفكر السياسي الذي ساد المنطقة ، فظهرت القومية العربية في هيئة اقصائية و استحواذية ، و أرادت خلع العروبة على مكونات اجتماعية و اثنيه لا تنتمي إليها ، الأمر الذي آذن بإحداث فصل إرادي و مصلحي بين شعوب المنطقة ، ليصب تاليا كل ذلك في مصلحة القوى الاستعمارية التي أخذت تبحث عن أدوار جديدة لها وتعمق من احتلالها و إتباعها

للمنطقة و شعوبها .و قد كان الشعب الكوردي الذي يشكل ثاني قومية في الشرق الأوسط بعد الشعب العربي ،قبل الترك والفرس، ضحية هذه المرحلة من احتلال الامبريالية الغربية للمنطقة ، فقد منع وحده من تأسيس دولته القومية ، على الأرض التي عاش عليها و سقاها من عرقه و سماها من وحي ثقافته و لغته و تاريخه ، منع الاستعمار الغربي الشعب الكردي عن حقه في تقرير مصيره ، على الشكل الذي يريد إلى جانب الأقوام و الشعوب الأخرى دون أي مسوغ أخلاقي أو سياسي يعتد به .، و منذ

ذلك الحين و الشعب الكردي يعاني شتى صنوف القهر التي تنوعت و آذت روح الكردي طوال أكثر من مائة عام ، و خلافا لتقسيمه وتشتيته في أربع دول اتفقت جميعا على اضطهاده و قمعه و حرمانه من أبسط الحقوق التي يتمتع بها بقية مواطنيها ، تعرض الشعب الكردي إلى الإفقار و التجهيل الممنهجين ، و انعدمت في حياته سبل مواكبة الحياة المدنية الحرة، و لم يكن أمام الشعب الكوردي في كل الدول التي ألحق بها قسرا الى النضال من أجل نيل حقوقه مقدما التضحيات العظام الواحدة تلو الأخرى ، مقدما مثالا أسطوريا عن النضال في أصعب الظروف و أهلكها دون كلل أو تعب أو يأس وأفضل مثال حديث قدمته مقاومة الشعب الكوردي ضد أعتى الجهات الظلامية في مدينة كوباني.

أخيرا و بعد أن بلغت التضحيات الكوردية حدا كبيرا للغاية ، و بعد أن انكشف بؤس نموذج الدولة التي أطلق الاستعمار العنان لتشكيلها ، و نتيجة لاستمرار الشعب الكوردي في نهج النضال ضد الأنظمة السياسية التي اضطهدته في كل قسم من أقسام كوردستان التاريخية ، في تركيا و إيران و سوريا و العراق ،و حيث وصل النضال الكوردي إلى درجة النضوج الكامل حتى إقامة دولته المستقلة.، متمثلا في إجراء استفتاء على استقلال كوردستان العراق

والإدارة الذاتية في الشمال وشرق سوريا التي أقيمت على تضحيات البنات والشباب الكورد هنا أثبتت دورها القيادي في إدارة شؤون الوطن أيام المحن – شعوب حكمت وهرمت وتنحل وشعوب تنبثق من جديد من جزورها التاريخة المتينة بعد الظلم والأستعمار الطويل وتنهض كشروق شمس ساطعة على الظلام القائم في بلادنا وتنير طريق الحرية والديمقراطية والتعليش السلمي بين الشعوب في منطقتنا

و لننضم إلى موكب الشعوب التي حققت إرادتها و قررت مصيرها و لتبدأ خطوات الكوردي على طريق التنمية و التقدم ضاربا مثلا لشعوب المنطقة عن احترامها لحقوق الإنسان و عن نيله حقه في العيش الكريم و الديمقراطية على أرضه .يحق للكوردي أن يفخر بما حققه أثناء نضاله الصعب و الشاق ، وحده ولمدة عقود طويلة، دون مساندة حقيقية إلا من الجبال و التضاريس الوعرة لكوردستان ومن الصلابة و علو الهامة التي يتمتع بها ، ورغم عداء معظم الدول التي توازعت الشعب الكوردي والحروب التي

اشتعلت من أجل القضاء عليه. إلا أنه اثبت للكون كله أنه شعب عصي على التمثيل ، على الترويض أو السحق ، شعب أصيل جذوره موغلة في القدم و العراقة ، ساهم في صنع الحضارات القديمة في مهد التاريخ ، ميزوبوتاميا الشهيرة ، و ها هو يعيد إنتاج نفسه حرا من جديد ليأخذ دوره في بناء الحضارة الإنسانية في اقرب فرصة ، و ها هو يصبح مثالا حيا وقدوة لكل الشعوب المضطهدة و المهددة بالانقراض ونموذجا متألقا للشعوب في الشرق الأوسط و العالم بكليته .

من هنا ينادي الكوردي بصوته العالي الطيب دول الجوار ، لا سيما بعض أبناء الشعوب العربية كي تخلع عنها عتمة التشدد الديني و تنضم إلى قافلة التاريخ الجديد للإنسانية ، فكره الآخر وقتله وشن الحروب عليه لأنه ينتمي إلى إيمانات مختلفة ، هو احد أشكال الإرهاب، و ما المعركة الحقيقية التي تنتظر العربي

والمسلم إلا معركة الديمقراطية و الحرية و الكرامة و التنمية و تحقيق الكفاية و العدالة الاجتماعية والتعايش السلمي . طريق العربي المسلم الى نجاحه في معركته تلك ،يبدأ بدعمه لنضالات و حقوق الشعوب الأخرى و على رأسها الشعب الكوردي ، فالشعب الكوردي صديق و شريك تاريخي للعرب ، ساهم في انتشار الإسلام و حارب ووقف في وجه الحملات الصليبية ممثلا بالقائد الكوردي العظيم صلاح الدين الأيوبي ، و كل تقدم للشعب الكوردي سيصب في مصلحة الشعوب العربية و الإسلامية كافة بكل

تأكيد .أمام العربي و الشعوب العربية في هذه المرحلة التاريخية فرصة نادرة ، لبناء علاقات صداقة و أخوة إستراتيجية مع الكورد ، فيقدم له العون و ينتصر للحق و يقبل بل يساعد الشعب الكوردي على أخذ دوره الوطني في الشرق الأوسط من أجل تحقيق الحرية للشعوب وبناء المدنية الجديدة حيث ينعم كل فرد من أي طائفة أو أثنية بنفس الحقوق والواجبات في ظل الحياة السياسية المشتركة من بناء وطن حر يضمن الكرامة الأنسنية. فبين العرب و الكورد قيم مشتركة و تاريخ تعاون و مصالح مشتركة ، كفيل

بأن يشكل أساسا لعلاقة وثيقة لا تنفصم عراها ، حتى يكونوا معا سدا منيعا أمام التدخلاات الخارجية والأقليمة والمؤامرات التي تستهدف الإنسان في المنطقة ، ويشكلوا تحالفا لا ينفصم من أجل تحقيق التنمية و الرفاه لأبنائهما ،بما يليق بشعبين عظيمين ساهما في حضارة و تاريخ المنطقة و العالم

إن حرية الشعب الكوردي أصبحت حقيقة مثل الشمس الساطعة وكل من ينكرها أو يعاديها هو عديم الرؤيا و فاقد للبصيرة .الوقوف أمام إرادة الشعوب موقف عبثي أثبت أنه دون جدوى ،و إرادة الشعب الكوردي تفل الحديد . تجذر إرادته في الحرية عميق و راسخ كما جبالها الشاهقة ، الشعب الكوردي الذي واجه كل القوى المعادية لحقه في تقرير المصير ، بات قاب قوسين أو أدنى من وصوله لهدفه التاريخي،

و دول كثيرة ، عظمى و إقليمية ، باتت واعية لأهمية الشعب الكوردي المساهمة في الأستقرار والأمن المدني ، فالكورد ، حاجز سياسي ضد الإرهاب و التشدد الديني ، والجغرافية الكوردستانية تحوز على موارد و طاقات بشرية و مادية كبيرة ،جغرافية كوردستان أرض و وطن غني بالموارد المائية و النفط والمعادن.

ستغير شعوب كوردستان وجه الشرق الأوسط القادم و ستسهم من موقع متميز في معركة الحرية و المدنية و الديمقراطية ستكون وطنأ وكيانآ مثالا نيرا لعلاقات جوار و تعاون و تضامن إقليمي و ستحتل بوحي من تجربتها في القرن الماضي موقعا متقدما في عملية التفاعل والتفاهم بين الشعوب من أجل حياة جديدة يتمتع فيها كل مواطن ينتمي إلى دول المنطقة بالعيش الكريم والحضور المتألق والفاعل .
15.01.2022
د. توفيق حمدوش

Comments are closed.