جولة الصحافة

انقسام كردي حول أسباب خسائر البيشمركة أمام هجمات “داعش”

بقلم : باسم فرنسيس

أثارت الخسائر الكبيرة التي ألحقها تنظيم “داعش” المتشدد بقوات البيشمركة الكردية في هجماته الأخيرة، تضارباً في مواقف الحزبين الحاكمين في إقليم كردستان حول الأسباب، فيما كشفت الاتهامات المتبادلة بين نواب ومسؤولين من الحزبين عن انقسام على مستوى إدارة الملف العسكري.
وواصل التنظيم هجماته على مواقع عسكرية ومدنية كردية تقع ضمن مناطق نزاع بين حكومتي أربيل وبغداد، وقتل نحو 20 من عناصر البيشمركة وثلاثة مدنيين.
فبعد هجوم يوم الخميس 2 ديسمبر (كانون الأول)، أوقع 10 قتلى من البيشمركة و3 مدنيين في قرية “خدرجيجة” في قضاء مخمور، 70 كيلومتراً جنوب شرقي الموصل، و60 كيلومتراً جنوب غربي أربيل، شن التنظيم موجة جديدة من الهجمات، الأحد 5 ديسمبر، مستهدفاً أحد مواقع البيشمركة في قرية “قره سالم” بناحية “التون كوبري” الواقعة بين محافظتي أربيل وكركوك، ما أدى إلى مقتل أربعة عناصر وإصابة اثنين آخرين بجروح، بالتزامن مع هجوم آخر على قرية “لهيبان” في قضاء الدبس بعد نزوح سكانها، ثم انسحب المهاجمون قبل عودة قوات الجيش والبيشمركة لحماية القرية.

وتأتي التطورات بعد بضعة أيام من هجمات مماثلة شنها التنظيم في أطراف منطقة كفري بمحافظة ديالى، أودت بحياة ثمانية من البيشمركة وإصابة ستة آخرين.

ولا تتوفر بيانات رسمية دقيقة ومؤكدة حول العدد المتبقى من مسلحي التنظيم بعد إعلان سيطرة القوات العراقية على مدينة الموصل آخر معاقله عام 2017، إلا أن وزارة البيشمركة تقدرهم بنحو 2000 إلى 3000 مسلح، من ضمنهم ما يعرف بـ”الخلايا النائمة” والمتخفية بين المدنيين.

التهاون مع “داعش”

واختلف نواب ومسؤولون من الحزبين اللذين يحكمان الإقليم شبه المستقل عن بغداد، “الديمقراطي” بزعامة مسعود بارزاني، و”الاتحاد الوطني” الذي كان يتزعمه رئيس الجمهورية الراحل جلال طالباني، على طبيعة الخلل في إدارة المنظومة العسكرية وتشتت القرار نتيجة التضارب في التوجهات السياسية.

واتهم قائد مسؤول تنظيمات حزب “الاتحاد الوطني” في منطقة “قرجوغ” بقضاء مخمور، حزب بارزاني “بالتعاون مع “داعش” وبشكل علني، حيث يقدم لمسلحيه المؤن أمام الملأ”، بحسب تعبيره، مبيناً أن “هناك قوات اتحادية في جبل قرجوغ، فضلاً عن لواء من البيشمركة بقيادة سيروان بارزاني في قمة الجبل، وهذه تمنع مجيء أية قوة أخرى إلى المنطقة، فيما تتم رؤية تحركات عناصر التنظيم وهم يتجولون بأريحية، ويذهبون إلى القرى المحيطة، مع وجود 35 رابية تابعة للواء هناك، وعندما وقع الهجوم لم تبادر للرد أو تقديم المساعدة، سوى الفوج المشكل من أبناء قرى المنطقة”.

وأكد “فيصل” عبر مقطع فيديو مدعياً أنه يقود مجموعة مسلحة يطلق عليها “المتطوعون البيشمركة”، “سبق أن تحدثت مع البيشمركة هناك عن السبب، فقالوا لي إن الأوامر تقضي بمنع إطلاق أية رصاصة، وأبلغت قوات التحالف بالأمر مراراً، خصوصاً الفرنسيين والأميركيين، والفرنسيون متشددون تجاه التنظيم، لكن الأميركيين يتلاعبون”، كاشفاً عن أنه “مطلع على المنطقة منذ سنوات. الإرهابيون لديهم أسلحة رشاشة وقذائف صاروخية، وسلاح حراري يعرف بـ”m4″، يشترونه من أربيل والسليمانية ويربطونه بمنظار حراري، ويبلغ سعره 8 آلاف دولار”.
وخلّف انسحاب قوات البيشمركة من كركوك في 16 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 عقب اجتياح القوات الاتحادية لمناطق موضع خلاف بين أربيل وبغداد رداً على إجراء الأكراد استفتاءً للانفصال، فراغاً أمنياً من المساحات المفتوحة على الخط الفاصل بين الجيش والبيشمركة، ما منح عناصر التنظيم حرية الحركة، في الفراغ الممتد من قضاء خانقين شمال شرقي محافظة ديالي المحاذية للحدود الإيرانية، إلى أطراف منطقة سحيلا الحدودية مع سوريا.

اتهامات ملفقة

لكن قوات وحدات “80” التابعة لحزب بارزاني قالت، إن “المدعو فيصل اتهمنا بمنع قتال “داعش” لأهداف سياسية، وهذا غير بعيد عن الحقيقة، وملفق، ولا يتوافق مع روح الأخوة والبيشمركة والنضال الكردي”، ودعته “إذا ما كان شجاعاً ويريد حقاً محاربة “داعش” فالطريق مفتوح أمامه وسنقدم له العون للوصول إلى خطوط المواجهة”.
وتقود واشنطن منذ سنوات جهود وساطة لتوحيد قوات البيشمركة المنقسمة بين الحزبين، اللذين كانا قد أبرما عام 2006 اتفاقاً لتوحيد إدارتي أربيل والسليمانية، بعد أن خاضا حرباً أهلية، وما زالا يواجهان صعوبات في تطبيق بنود الاتفاق.
لكن وزير البيشمركة شورش إسماعيل ألقى باللائمة على الجيش الاتحادي، واتهمه بـ”التقصير”، وأعلن أن “الجيش يتحمل مسؤولية الدماء التي أريقت، نتيجة عدم التنسيق مع البيشمركة لملء الفراغ من خلال التنسيق وشن عمليات مشتركة”.

ووفقاً لشهادات أدلى بها سكان قرية “لهيبان”، ومعظهم من الأكراد، فإن العديد من الأسر تركت منازلها بشكل تدريجي خلال السنوات الأخيرة، بسبب هجمات التنظيم المتكررة، على الرغم من النداءات التي وجهت للقوات الاتحادية والبيشمركة بتوفير الحماية.
ودعت “حركة أزادي” المقربة من حزب “العمال الكردستاني”، الذي سبق أن خاض مسلحوه مواجهات مع التنظيم في جبل قرجوغ إلى “فتح تحقيق في الهجوم على قرية خدرجيجة، وعلى برلمان كردستان أن يتابع أسباب الكارثة”، مبدياً شكوكه في “تعامل الحزب الديمقراطي مع الإرهابيين”.
ووفقاً لقادة أكراد فإن مسلحي التنظيم بدأوا في الآونة الأخيرة بتغيير أساليبهم القتالية ووسعوا من رقعة ونوعية هجماتهم، وتجاوزوا مرحلة الاكتفاء بزرع العبوات الناسفة وقتل الأفراد وتهجير آخرين، واتجهوت لشن هجمات عسكرية نوعية لإثبات وجودهم، مع وصول مجموعة عناصر جديدة أعلنت أخيراً “البيعة” للتنظيم قادمة من سوريا باسم “جند الله”.

بكونها سياحية وآمنة، بينما نرى أن البيشمركة في خطوط المواجهة مع “داعش” بجبل قرجوغ، لا يملكون السواتر، وشاهدناهم يقومون بواجبهم في عربة بين جدران مسجد”. وأضاف، “عندما نسأل الجهات المعنية عن أسباب إهمال خطوط الدفاع وحرمانها من الأسلحة المتطورة، فإنها تتذرع بقلة الإمكانات المادية”.
وأعلنت كل من أربيل وبغداد أخيراً التوصل إلى تفاهم لتنفذ عمليات مشتركة، عبر إشراك طائرات لمراقبة الفراغ الأمني، وشن عملية عسكرية “نوعية” ضد مسلحي التنظيم مع تعزيز “التسيق الميداني الاستخباري والعملياتي”، وذلك عقب اجتماع مشترك بحضور قادة من قوات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.
وترأس رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني اجتماعاً مساء الاثنين 6 ديسمبر مع القيادات العسكرية، وحث على “تأمين المستلزمات والاحتياجات آنياً ومستقبلاً للبيشمركة، وإعادة تنظيم الجبهات، وملء الثغرات، والتزام الجميع بأقصى درجات التعاون والتنسيق بين قوات البيشمركة”.

تشتت القرار
وفي السياق كشف عضو لجنة البيشمركة النيابية عن كتلة “الاتحاد” بالامبو محمد، عما وصفه بـ”الخلل في وزارة البيشمركة” قائلاً، “ما زال هناك من يتعامل في الوزارة بعقلية حزبية ضيقة، دون اعتبار للانتماء الوطني، البيشمركة تتعرض للظلم من جميع الاتجاهات”. وأضاف، “مثالاً، إذا ما تمت المطالبة بإرسال تعزيزات عسكرية إلى منطقة كرميان (الخاضعة لنفوذ حزب الاتحاد)، فهناك بالمقابل تتم المطالبة بإرسال مماثل إلى مناطق دهوك (الخاضعة لنفوذ حزب بارزاني) على الرغم من عدم حاجة المنطقة لذلك، ومعناه أن الوزير وحده لا يملك القرار، بينما نرى وزير الداخلية يملك ذلك”.

وكشف بالامبو عن أنه “سمع منذ نحو عام عن تشكيل قوة مشتركة مع الجيش الاتحادي من دون أفعال، وجود “داعش” في جبل قرجوغ أثار علامات استفهام، والشكوك تحوم حول دور تلعبه دول إقليمية في هذا الملف، فضلاً عن دور عراقي”. وأوضح، “أما أن يكون الغرض من هذا الوجود لتحديد حدود الإقليم، فالفكرة في غير محلها، لأن الأدلة التاريخية هي التي تحدد، وليس التنظيم المسلح أو دولة إقليمية”. وختم، “أين هي الأسلحة المتطورة التي قدمت كمساعدات للبيشمركة، هل هي في المدن أم في خطوط الدفاع؟ بالطبع هي في المدن”.
وكان وستا رسول، مستشار نائب رئيس الحكومة قباد طالباني، قد حذر في الثاني من الشهر الجاري من أن التنظيم “استقدم مجموعة من المقاتلين المدربين من سوريا، وأعاد تنظيم صفوفه، ووضع خططاً لتنفيذ هجمات والسيطرة على مناطق معينة”. وأكد أن التنظيم “أشبه ما يكون بشركة تجارية يسهم فيها مختلف الأفراد والدول، وربما لديه الأموال لشراء الأسلحة”.

تراخي خط الدفاع
نائب رئيس أركان البيشمركة اللواء قارمان كمال من جهته، كشف للموقع الرسمي لحزب بارزاني عن أن وزارة البيشمركة “قررت معاقبة أي قائد يتوانى في أداء واجباته، وقد تمت معاقبة وإقالة البعض في الفترة المنصرمة”. وأكد “حدوث تقصير في أداء الواجبات في خطوط الدفاع، وقد استغلها الإرهابيون، على الرغم من أن تحذيرات من وقوع هجمات كانت قد صدرت لتلك القوات”. ونوه بأن “قطع بعض المخصصات المالية سبّب في عدم تعزيز المواقع في الخطوط الأمامية، كما أن الحكومة الاتحادية ما زالت تمنعنا من الحصول على طائرات الدرون”.
ويتفق رأي علي عوني القيادي في حزب بارزاني مع كمال، وقال إن “وقوع سلسلة الهجمات الأخيرة ناجم عن تراخي خطوط الدفاع لقوات البيشمركة وغياب اليقظة، إلى جانب إعادة “داعش” تنظيم صفوفه واتباع أساليب قتالية جديدة”. وأوضح أن “هذه الهجمات تنسجم مع أمنيات بعض القوى السياسية العراقية، ولا شك أن هناك أيادي سياسية تقف خلفها”.

ضعف الدعم اللوجيستي
وعقب الهجوم على قرية “خدرجيجة” والخسائر التي لحقت بالبيشمركة في منطقة قرجوزغ، ألقى قائد محور مخمور – كوير سيروان بارزاني باللائمة على “استمرار الفراغ الأمني، وتراجع العمليات والضربات الجوية لطائرات التحالف الدولي نتيجة اتباع “داعش” أسلوب حرب العصابات، والذي بالعادة يحدث مسبقاً على معلومات قبل بدء القوات الاتحادية بأية عملية عسكرية”. وأكد “حاجة البيشمركة أيضاً إلى دعم لوجيستي، خصوصاً طائرات الدرون وتكنولوجيا متطورة”.
وانتقد نائب رئيس الإقليم عن حزب “الاتحاد” جعفر شيخ مصطفى بشدة التراشق الإعلامي بين نواب الحزبين، وقال في تصريح للقسم الكردي في إذاعة “صوت أميركا”، إن “(داعش) عندما قتل كل هذا العدد من البيشمركة، لم يسأل ما إذا كانوا من الحزب الديمقراطي أم الاتحاد الوطني، أو غيرهما، مؤسف للغاية أن يكون هذا اسلوب أشخاص يفترض أنهم يمثلون الشعب”.
رئيس الحكومة مسرور بارزاني أعلن خلال تفقده أسر ضحايا الهجوم على قرية خدرجيجة عن “الحاجة الملحة لمزيد من التنسيق مع القوات الاتحادية، وإزالة العقبات التي تقف حائلاً دون تقديم المساعدات للبيشمركة”، منوهاً بأن قواته “لن تنتظر لكي تحمي هذه المناطق، إلى حين بدء الخطوات الفعلية لتنفيذ قرار تشكيل لواءين مشتركين مع الجيش الاتحادي”.

كما دعا والده زعيم “الديمقراطي”، مسعود بارزاني، في بيان إلى “إعادة النظر في الخطوط الدفاعية للبيشمركة، وإجراء مراجعة دقيقة لأي تقصير”.
في المقابل، علق زعيم حركة “الجيل الجديد” المعارضة رجل الأعمال شاسوار عبدالواحد في تغريدة عبر “تويتر” على التطورات قائلاً، إن “عنصر البيشمركة اليوم يصرف من حسابه الشخصي على تأمين وقود السيارة وثمن الرصاصة التي يقاتل بها”. وتساءل، “أين هي تلك المساعدات اللوجيستية التي تقدمها قوات التحالف من عتاد وعربات مدرعة؟ لماذا لا يوزعونها على الخطوط الأمامية؟”.
ويواجه الأكراد عقبات سياسية في إعادة نشر قوات البيشمركة في مناطق موضع الخلاف مع بغداد، حيث يرفض كل من العرب والتركمان في محافظة كركوك بشدة أي عودة للبيشمركة، واعتبرت الجبهة التركمانية أخيراً الاتفاق المبرم بين أربيل وبغداد لتشكيل قوات مشتركة بأنه “غير مُجدٍ للقضاء على “داعش”، بل في بسط القوات الاتحادية على كامل الأراضي المحاددة للإقليم”، فضلاً عن عقبات إضافية تتمثل في وجود قوات “الحشد الشعبي” الشيعية، سواء في كركوك، أو في محافظتي نينوى وديالي.

المصدر : اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق