شؤون ثقافية

اسطورة كوردية في قصة للكاتب العالمي إيڤان بونين

اسطورة كوردية في قصة للكاتب العالمي إيڤان بونين
جودت هوشيار
مقدمة
للشعب الكوردي تراث فولكلوري هائل، لم يُدوّن منه الا الشيء القليل، وثمة عدد كبير من المستشرقين والرحالة ورجال الفكر الذين زاروا كوردستان واحتكوا بالشعب الكوردي في أعماق الريف الكوردستاني، فوجئوا بضخامة هذا التراث وتنوعه وثرائه الباذخ، لذا ليس من الغريب اطلاقا أن تستأثر الحكايات والأساطير الكوردية باهتمام عدد من أبرز أدباء وفناني عصرنا. مثل الشاعر التركي (ناظم حكمت) والموسيقار الأرمني (آرام خاتشاتوريان) والكاتب الروسي العالمي (إيڤان بونين)، الذي إستلهم إحدى الأساطير الكوردية واستمد منها مادة لإحدى قصصه المشهورة وهي ” الشباب والشيخوخة ” التي نقدم فيما يلي ترجمة لها من اللغة الروسية مباشرة. وهذه الاسطورة تدخل ضمن الأساطير التي أصطلح على تسميتها بأساطير الخلق والتكوين والتي تصور خلق الكون والإنسان وتطور الحياة على وجه الأرض.
الأقصوصة التي رأينا من الضروري ترجمتها من اللغة الروسية مباشرة، فقد كتبها (بونين) في پاريس عام (1936 م) ونشرت في نفس العام في مجلة “روسيا المصورة” الصادرة في پاريس، ثم أعيد طبعها ضمن مجاميعه القصصية المختارة ومؤلفاته الكاملة. ولقد قامت مجلة (اوغونيوك) الروسية، واسعة الإنتشار، التي تصدر في موسكو عن دار (پرافدا) للطبع والنشر بإعادة نشرها عام 1956.
هذه القصة – شأنها في ذلك شأن معظم قصص (بونين) الأخرى – تبحث عن أجوبة على الأسئلة التي تهم البشر جميعاً بشكل دائم وبخاصة المبدعين والمفكرين منهم حول معنى الحياة والغاية من خلق الإنسان .
قصة ” الشباب والشيخوخة ” بقلم بونين
أيام الصيف الرائعة. البحر الأسود هادئ، السفينة مثقلة بالمسافرين والأمتعة. ليس هناك موطئ قدم على ظهرها من المقدمة وحتى المؤخرة. الإبحار طويل وفي إتجاه دائري – القرم، القفقاز، سواحل الأناضول، القسطنطينية.
الشمس لاهبة، السماء زرقاء، والبحر بنفسجي، تختلط فيه جلجلة السلاسل المدوية بشتائم البحارة وصراخهم – الى الأعلى! الى الأسفل.
قمرات الدرجة الأولى خالية، وفسيحة، وتشع بالنظافة. القذارة والضّيق بين الكتل البشرية من ذوي الجنسيات المختلفة، الذين يشغلون الدرجات الأخرى على ظهر السفينة. وقرب المكائن الساخنة، والمطبخ الفواح. في الزوايا وتحت المظلات، بين الحبال والسلاسل الممتدة على سطح مقدم السفينة، تنتشر رائحة قوية وكثيفة، هي ساخنة وطيبة حيناً، ودافئة وكريهة في أحيان أخرى، ولكنها ابداً مثيرة بالدرجة ذاتها. رائحة السفينة، ممزوجة بِطراوة البحر.
هنا فلاحون روس وفلاحات روسيات، هنا الأوكرانيون والاوكرونيات، وقساوسة من أفون، هنا الكورد، والجورجيون واليونانيون.
الجورجيون يمرحون طوال الوقت، فهُم أما يغنون، أو يرقصون أزواجاً في غنج ودلال، وقد شمّروا عن سواعدهم ، وأخذوا يتقافزون بين الجمهور في خفة. الحجاج الروس المتوجهون الى فلسطين لا يكفون عن شرب الشاي. ثمة فلاح روسي، طويل القائمة غائر الكتفين، ذو لحية صغيرة صفراء، وشَعر مسترسل يقرأ في الكتاب المقدس، وإمرأة وحيدة قرب المطبخ لا تكف عن التحديق فيه في تحد وأصرار. وهي تلبس بلوزة حمراء، وتلف شَعرها الأسود الخشن بإيشارب أخضر خفيف.
رست السفينة في حوض للسفن عند المضيق. نزلتُ الى الساحل وعندما رجعتُ رأيتُ على السلم مجموعة من الكورد المسلحين، يصعدون الى ظهر الباخرة يتقدمهم شيخ ضخم الجسم، عريض المنكبَين، في الملابس الكوردية، يتمنطق بِحزام مشدود حول قدّه النحيل بقوة ، ومُرصّع بِقطع فنية. الكورد الذين كانوا معنا على ظهر السفينة، هبّوا لإستقباله، وأفسحو له مكاناً بينهم، وبدأت حاشية الشيخ بِفرش المكان بالسجاجيد العديدة، ووضعت عليها المخدات، جلس الشيخ في المكان المهيئ له في عظمة وهيبة، كانت لحيته بيضاء ناصعة ، ووجه أسمر غامق لفحته الشمس. كانت عيناه العسليتان تشعان ببريق مدهش، إقتربتُ منه ، وجلستُ القرفصاء، وحييته ثم سألته بالروسية :
– – هل أنتم من القفقاز؟
– -بلادنا أبعد من القفقاز، نحن كورد
سألتُه عن وجهته ، فردّ عليّ في تواضع ولكن في زهو وإعتداد :
– الى أسطنبول .. للقاء الپادشاه نفسه، لأقدم له شكري، وأسلم له هديتي وهي عبارة عن سبعة مجالد، كان لي سبعة أبناء أرسلهم الپادشاه كلهم الى الحرب، الواحد تلو الاّخر، لقد مجّدني الپادشاه سبع مرات.
كان بيننا شاب يوناني من مدينة كورجي، ممتلىء الجسم، بالغ الأناقة، يعتمر طربوشاً دمشقياً، ويلبس بدلة رصاصية وصدرية بيضاء، وينتعل حذاءاً برّاقاً ذو أزرار جانبية. تضاحك الشاب /
: تسي، تسي، تسي! ثم أردف قائلا:
– عجوز وبقى هكذا وحيداً .
نظر الشيخ الى طربوش الشاب الوسيم وقال له ببساطة :
– ما أغباك! أنت ستشيخ وتصبح عجوزاً، أما أنا فلن يحدث هذا معي أبداً، أتعرف حكاية القرد؟
فإبتسم الشاب الوسيم في ريبة وقال:
– أيّ قرد؟
– إذن ، فأصغي الى ما سأقوله :
– لقد خلق الله الأرض والسماء، أتعرف هذا؟
– – حسناً أعرف هذا ثم ماذا؟
ثم خلق الله الإنسان وقال له: أنت أيها الإنسان سوف تعيش على الأرض ثلاثين عاماً، حياة سعيدة هانئة، سوف تفرح، ويُخيّل اليك أن كل شيء على الأرض قد خلق من أجلك، أمسروراً أنت بهذا؟
وفكّر الإنسان في نفسه: ما أجمل هذه الحياة! ولكن هل أعيش على الأرض ثلاثين عاما فقط؟ وقال:
– آه ، ما أقصر هذا العُمر !
وسأل الشيخ الشاب الوسيم في سُخرية:
– أتسمع؟
فأجابه الشاب:
– أجل
– ثمّ خلق الحِمار وقال له :
– سوف تنقل البشر، والأمتعة الثقيلة، ويهدّك التعب، ويضربك الناس على رأسك بالأعواد الغليظة، فما العُمر الذي تريده؟
وأجهش الحِمار بالبُكاء وإرتفع نحيبه وقال :
– هذا عُمرٌ طويل يا إلهي! إعطني نصفه فقط.
وتوسّل الإنسان الى الرب، وطلب إضافة نصف عُمر الحِمار الى عُمره، وإستجاب الرب لإلتماسه، وهكذا أصبح عُمر الإنسان خمساً واربعين عاماً، وسأل الشيخ الشاب الوسيم وهو يرمقه بِنظراته :
– كان الإنسان محظوظاً، أليس كذلك؟
ورد الشاب دون أن يدري ما يرمي إليه الشيخ بهذه الكلمات :
– نعم. لا بأس بذلك، ثم أضاف الشيخ قائلاً:
– ثمّ خلق الكلب وأعطاه من العُمر ثلاثين عاماً وقال له :
– ستعيش طوال عُمرك حانقاً، سوف تحرس أموال سيدك، ولا تأمن جانب أي أنسان غريب، سوف تنبح في وجوه المارة، ولا تنام الليل، بل سوف تظل ساهراً من القلق. أتدري؟ لقد ولول الكلب وبكى وقال:
– آه يا الهي! يكفيني نصف هذا العُمر، وأخذ الإنسان مرة أخرى يطلب إضافة هذا النصف أيضا الى عُمره، فإستجاب الربّ لِرجائه :
– – كم أصبح مجموع عُمرالإنسان الآن؟
فأجاب الشاب وقد بدأ السرور على وجهه أكثر من السابق:
– ستين عاماً
– ثم خلق الله القرد ومنحه من العُمر ثلاثين عاماً. وقال له أنه سوف يعيش بلا عمل، بلا هموم، ولكن سوف يكون قبيح الوجه، أتدري! وجه عار، ملىء بالتجاعيد، الحاجبان منحرفان نحو الجبين، سوف يحاول هذا المخلوق أن يلفت الأنظار، غير أن الناس سوف يسخرون منه، وهنا سأل الشاب الوسيم:
– إذن فالقرد رفض أيضاً نصف العُمر الممنوح له؟
نهض الشيخ من مكانه وتناول مبسم النرجيلة من يد أحد رجاله وقال:
– أجل رفض القرد أيضاً نصف عُمره، وأُضيف هذا النصف الى عُمر الإنسان .
ثم عاد الى مكانه بعد أن أخذ نفساً من النرجيلة، وصمت وأخذ يرنو بِبصره الى شيء ما أمامه، وكأنه نسى ما حوله تماماً، وقال دون أن يوجّه كلامه الى أحد.
– عاش الإنسان على الأرض ثلاثين عاماً من عُمره كإنسان. أكل وشرب وحارب، رقص في الأعراس، أحب النساء الجميلات. أما الخمسة عشر عاماً من عُمر الحِمار فقد إشتغل وجمع المال. وقضى الخمسة عشر عاماً من عُمر الكلب يحرس ماله ويحافظ عليه، يعوي في وجوه الآخرين ساخطاً ويسهر الليالي قلقاً، ثم أصبح مكروهاً وعجوزاً مثل ذلك القرد. والناس من حوله يهزّون رؤوسهم ويسخرون منه. ثم وجّه كلامه الى الشاب الوسيم وهو يُحرك مبسم النرجيلة بين شفتيه :
– كل هذا سيحدث معك
وسأله الشاب :
– ولكن لماذا لم يحدث هذا معك؟
– أجل. لم يحدث هذا معي
– ولكن لماذا؟
– فأجابه الشيخ بِصرامة :
– الناس الذين هم مثلي، نادرون، لم أكن حماراً، ولم أكن كلباً، فلماذا أكون قرداً؟ لماذا أكون عجوزاً !
——————–
إيڤان بونين: مجموعة المؤلفات الكاملة في تسعة أجزاء. الجزء السابع (الدروب الظليلة) دار نشرالآداب، موسكو 1966، ص 292-295.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق