شؤون ثقافية

أنا… والشعر

أنا… والشعر
مصطفى ملح
إنّ الحديث عن تجربة جيل شعري تستوجب وجود ما يجعل ذلك الجيل متماسكا من حيث الرؤية الجمالية والفكرية. وربّما تحقّق هذا بقدر كبير في الأجيال السّابقة؛ حيث لا تخطئ العين الحضور الجارف للإيديولوجي والوطني والاجتماعي في القصيدة السبعينية، مع وجود استثناءات لا تفسد بنية القاعدة. وإنّما السّرب الشعري، في عمومه، لا يكاد يخرج عن السؤال الاجتماعي. وخلافا لذلك عرف جيل الثمانينات تحولا واضحا فيما يخصّ طريقة الكتابة وأسلوبها، والتيمات المعبّر عنها؛ إذ بات واضحا أنّ الشاعر صار ينشغل بهومه الذاتية، ووجعه الشخصي، وعزلته المتفردة. هذا الميل المقصود جعل النص ينحاز إلى التأمل، عارضا قلق الذات وارتباكها أمام اهتزازات العالم وارتباكاته الوجودية.
لقد قدّر لي أن أعيش في عصر اصطلح عليه بجيل التسعينيات. لم أكن معنيا بالتسمية والمصطلح، لأنني كنت أكتب فقط. حتى الملامح العامة المشتركة بين شعراء هذا الجيل لا أستطيع تحديدها، إن وُجدت أصلا. يبدو أنّ المشترك لم يعد موجودا أصلا، وإنّما لكل شاعر أدواته، ودواته، ومداده، وعينه الثالثة التي يتلصّص بها على العتمة والمنسي والملتبس، في الأشياء والمشاعر والذكريات، قصد بناء قصيدته.
شخصيا، عرفت شعراء كثرا، ونُسجت بيننا علاقات مودة حقيقية، وأثيرت نقاشات جادّة ساعتئذ بخصوص القصيدة، وإبدالاتها، وطموحاتها، وسبل تفرّدها. وكنّا نسعى إلى كتابة ما نحسّ به، ونفكّر فيه، ونحلم به، ولم نكن منشغلين بخلق قطائع تامّة مع المنجز الشعري السابق، لأنّ الحياة التي نعيشها، أو التي حرمنا من أن نعيشها، كانت هي التي نسعى إلى كتابتها.
أفضل أن أتحدث عن تجربتي الشعرية، أما الحديث عن تجربة جيل التسعينيين، فتتطلب ناقدا ملمّا بقصائد هذه المرحلة، وما لها وما عليها.
في منتصف التسعينيات نشرت قصائدي في المغرب وخارجه، بعدما شعرت بأنني كنت سجينا للمتحف الشعري المفتوح في ذاكرتي؛ ذلك المتحف الذي أسسه أدونيس وأمل دنقل ومحمود درويش. هؤلاء الثلاثة شكلوا مرجعية شعرية حقيقية بالنسبة لي؛ أدونيس منحني القدرة على الخرق الناسف المقصود لنسق العبارة وبنية المعنى، ودعاني إلى الانتقال من التقرير إلى التكثيف. أمل دنقل حفّزني على الانفتاح على التاريخ الإسلامي ليكون دعامة شعرية، ودفعني إلى الانتباه إلى الجملة التصويرية البسيطة. محمود درويش ساقني إلى ترصيع الجملة وبذل مجهود أكبر لتكون أيقونة ذات إيقاع آسر.
أولئك الثلاثة، إضافة إلى آخرين، شكلوا وعيي بالكتابة. وكنا نلتقي أيام التحصيل الجامعي، نناقش، ويجادل بعضنا الآخر، وتنشب بعض الحروب الصغيرة الجميلة حول قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وتندلع الحرب ساعة، ثم تخبو نارها، والنتيجة وعي شعري يتشكّل، ورؤيا جمالية تزداد اتّساعا، وطريق تتّضح أمامنا. كنت أنا وعبد الرحيم سليلي وأبو بكر متاقي وعبد الرحيم الخصار وسعيد السوقايلي وكمال أخلاقي وإيراهيم الكراوي…. وغيرهم، نمثل تجربة شعراء التسعينيين بمدينة الجديدة، دون أن ننسى تجارب شعرية أخرى تنتسب إلى نفس الجيل، كانت تستقر بجغرافيات أخرى، ونقرأ بعضنا البعض من خلال ما ننشره في الملاحق الثقافية.
في منتصف التسعينيات، بدأت أفكر في الخلاص من الهيمنة والتبعية اللتين كان يمارسهما عليّ كلّ من أدونيس وأمل دنقل ومحمود درويش. بدأت أفكر في قصيدة على مقاس إحساسي، وجملة شعرية تقول ما أشعر به أنا وليس ما يشعر به الآخرون. وفي خضم هذا القلق الشعري ألفيتني أكتب نصوصا فيها قدر كبير من التّعالقات النصية مع الميثولوجيا والنص الديني والأسطورة الإغريقية. وهكذا كتبت قصيدة (طروادة) و(عيسى ابن النخلة) و(طبعة منقحة من إصحاحات موسى المغربي) و(يوسف)، وغيرها. ولم تكن تلك القصائد إعادة كتابة لتاريخ ديني بقدر ما كانت تماهيا معه، وإعادة تغيير مساره الزّمني، حيث أصبح أنا يوسف الجديد الذي يرميه إخوته في ألف جبّ معاصر آلاف المرّات، كما لو كان هذا التعامل مع النص الديني، هو تعبير عن قضايا وهموم ذاتية واجتماعية كنت أعيشها، غير أنّني أعبر عنها باستعارة تلك الأقنعة الأسطورية.
هذه التجربة، بملمحها السابق، ستستمرّ سنوات. كنت أنشر هذه النصوص في المغرب وخارجه، إلى أن أتيحت لي الفرصة لأضمن بعضا منها في ديواني الأول الصادر ضمن منشورات وزارة الثقافة سنة 2006، والحامل لعنوان (دم الشاعر)، وهي تجربة فيها كثير من الألم النفسي والاجتماعي، وقد ظهر هذا في التصدير الذي وضعته للديوان: (أنا لا أكتب شعرا، وإنما أقطر بالدم).
في الوقت نفسه، أحببت تجربة شعراء قصيدة النثر، ولم أعد منبهرا قط بدرويش وما شابه درويش، ووجدت جدّة وتخييلا مختلفين عند محمد الماغوط وأمجد ناصر وسيف الرحبي وسركون بولس وغيرهم. واطلعت على نماذج جيدة من الشعر العالمي، مترجما. كل هذا دفعني دفعا إلى النّفور من تجربتي الشعرية السابقة التي كان النص الديني يمثل أحد دعاماتها الأساسية. شرعت في البحث عن مرافئ أخرى، آمنة أو غير آمنة، أحسست أنّ قصيدتي لم تعد مفصّلة على مقاس جسدي، وأنّ الاستعارات القديمة صارت جثثا متعفّنة، وأنّ تجربتي في عمومها هي مومياوات شعرية مرصوصة داخل متاحف فرعونية هائلة. كنت أريد الخلاص، وتوهمت أنني كائن، على الرغم من تواضع تجاربي في الحياة، منفرد بما لم يُتح لغيري، وهو بصماتي وجيناتي وأسلوبي في الحياة وطريقة تعاملي وتفاعلي مع المحيط. بمعنى أنّني عشت حياة لم يعشها أحد آخر بدلا عني، وأن الدموع التي سكبتها من قبل في مأتم هي دموعي أنا، والابتسامات، على ندرتها، التي رسمتها شفتاي في فرح هي ابتساماتي. من هنا شرعت أكتب، أكتبني، أكتب سيرتي الذاتية. لا يهم أن تكون حياتي آهلة بالأحداث السياسية المثيرة، ولا بالإنجازات العلمية المبهرة، ولكن حسبي أنّها حياتي أنا.
وهكذا ألفيتني أتحرّر من التبعية للأسطورة، كما تفاعل معها السياب من قبل أو أمل دنقل من بعد. وألفيتني أنشغل بما سمّيته في حينها بالأسطورة الشخصية. جسدي وهو يرتطم بصخور الواقع، روحي وهي تئنّ بسبب الأشواك الوجودية، قلبي وهو يضلّ في أرصفة معتمة بحثا عن أنثى قد تأتي وقد لا تأتي، الحلم بأن أصافح الشمس دون أن تحرق أصابعي… ألا يمثّل هذا أسطورة شخصيّة للشاعر حريّ به كتابتها؟
كتبت عن تاريخي، حمار جدّي، موت جدّتي وعمّتي وآخرين، رائحة الطّبشورة في الفصل الدراسي في مرحلة الطفولة، نحلة الحبّ الأول التي تلسع القلب برفق تارة وبقسوة تارة أخرى، اصطدام شاحنة عمياء بدرّاجة نارية كان يركبها أخي وهو في الطريق إلى مطار محمد الخامس. هذا وغيره بات يشكّل ملمحا رئيسا في تجربتي الشعريّة التّالية: السيرة الذاتية، أو الأسطورة الشخصية للشاعر.
في هذه المرحلة، كان أصدقائي الشعراء، يكتبون من منطلقات مختلفة، قد أتقاطع مع بعضهم أحيانا، وقد لا يحدث ذلك. ولكلّ منّا رهاناته وأسئلته، والجدير بالذّكر أنّ الهمّ الشعري الذي كان يؤرّقني هو نفسه الهمّ الذي كان يؤرّق الآخرين، ولكن بمنطلقات مختلفة، وغايات مختلفة. كان هذا الاختلاف هو ما يسم جيلنا، وهو اختلاف لا بدّ منه، لأنّ التشابه والتكرار يقتل فرادة الجيل، فليس مُباحا، منطقيّا، أن ألتقي مع الشعراء السابق ذكرهم، أو مع آخرين مثل رشيد خديري أو مصطفى لختصير أو عبد الحق بن رحمون أو مصطفى قلوشي أو عبد السلام دخان أو نادية يقين أو وداد بنموسى وغيرهمم. كنّا طيورا مختلفة تماما غير أنّنا نتفق أخيرا في تشكيل سرب واحد.
ومواصلة لما حدث، شعريا. وبعد مضي عشرين سنة، بدأت مهووسا بكتابة أخرى؛ كتابة يجدها الصغار بسيطة ومفهومة، ويجدها الكبار غامضة وملتبسة. كنت أجد عدم ارتياح للبلاغة الموغلة في التعقيد المجاني، وأرى أن القصيدة ينبغي أن تكون زهرة في حجم اليد، وليست غابة ذات خمائل متشابكة. هذا ما أطلقت عليه سابقا بالدرجة الصفر من البلاغة، باستعمال تعبير رولان بارت وتحويره.
وفي هذا السياق توالت مجاميعي الشعرية الأخيرة مترجمة هذا الوعي الشعري الجديد. فأصدرت (أمواج في اليابسة) و(سماء لا تسع السرب) و(لا أوبخ أحدا) و(آخر الناجين من الطوفان). وهي تجربة أزعم أنها تمثلني أكثر من غيرها، إذ أحسست بأن الجملة في متناول اليد، وأن المجاز لم يعد سماويا وإنما يمكن لمسه وقطفه مثل وردة في بستان، وأن التفاصيل لم تعد مهملةـ بل يمكنني أن أكتب سيرة حبل، أو ظل، أو فراشة، أو قوس قزح، أو عمود كهرباء، أو بغل، أو شاة، أو ذئب.. وقد حدث هذا حقا في ديواني الشعري: (لا أوبخ أحدا).
بالنسبة إلي، تجربة التسعينيين هي الأعمق. ومبرري في ذلك هو كثرة الرؤى، وكثرة الاجتراحات والاقتراحات الجمالية، عند شعراء نفس الجيل، إضافة إلى وجود شعراء حقيقيين لم يكتبوا انطلاقا من المقروء، وإنّما كتبوا الحياة كما يشعرون بها، دون انشغال بما تمليه عليهم المدارس الشعرية الأخرى. وأزعم أن شعراء التسعينيين لم ينالوا نصيبهم من الإشعاع والتداول الذي ناله سابقوهم، وذلك لأسباب كثيرة، أهمها أنّ معظم المؤسسات الثقافية يديرها الشعراء المنتمون إلى الأجيال السابقة، كما لو كان الشعراء التسعينيون هم الأبطال التراجيديين في مسار الشعر المغربي، بسبب عصيانهم وعدم طاعتهم للآباء الشعريين السابقين. إذا كان السابقون قد غرسوا شتلاتهم، أفلا يحق للاحقين أن يغرسوا شتلاتهم الخاصة في أراضيهم الخاصة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق