الرأي

بقلم الدكتورتوفيق حمدوش : فشل محادثات اللجنة الدستورية الأخيرة .ماذا بعد ؟

يبدو السؤال حول ضرورة إعادة صياغة الحراك السياسي السوري بعد فشل المعارضة السورية المتكرر ملحا و مشروعا، سيما وقد فشلت محادثات اللجنة الدستورية الأخيرة التي كانت طرفا فيها ، مع إصرار ممثلو النظام على إبقاء عمل اللجنة يراوح مكانه ، وإذ يثبت يوما بعد يوم تمرس النظام المجرم في ادخال المفاوضات في حالة من العطالة و الدوران حول الذات و غياب الكفاءة لدى ممثلي المعارضة في افشال مخططاته وسلوكه ذاك ،يثبت أيضا ان مجرد التعويل على وجود حل سياسي وحتى قرار دولي لا يعني ابدا النجاح في إقرار هذا الحل ما لم تكن هناك اطراف معارضة سياسية قادرة على الزج باليات مناسبة لمحاصرة العراقيل التي يضعها النظام امام هذه المحادثات .إن النظام السوري فاقد الشرعية و الاهلية السياسية لأن يحكم بلدا مثل سورية بالتأكيد لن يزول بالكلام والخطابات و لا من خلال المحادثات في جنيف أو في أماكن أخرى الامر الذي يتطلب من الشعب السوري ربما إعادة النظر في المسار السياسي بكليته و بادئ ذي بدء ببناء جسم متين من القوى السورية القادرة على تقديم البديل والإطاحة بهذا النظام و هو ما يمكن أن يتم عبر قراءة شاملة للوضع في سوريا من كافة الجوانب ، منذ كيف وصل الأسد الى السلطة عبر انقلاب عسكري مرورا بمركزة السلطة التدريجي حتى التصقت بشخص حافظ الأسد الذي قام بدوره بتطييف السلطة العسكرية و الأمنية في البلد و إبقاء السلطة محتكرة من قبل العائلة ووضع أسس توريثها و نقلها وصولا الى فشل المعارضة السورية في إدارة ملفات الحراك السياسي السلمي والشأن السياسي المتعلق بها في تمفصله مع الإقليمي و الدولي ، بما يفضي تاليا الى تطبيق بعض القراءات المواتية للبدء بإصلاحات تمكن ممثلي الحراك السوري من اخذ المبادرة و اعداد قيادة وطنية رزينة وواعية وذات افق وقدرة على الاستشراف و على إدارة الاختلاف و التنوع المتعلق بتعدد مشاربها الأيديولوجية و السياسية ، فتكون مؤهلة للعمل تحت مظلة سياسية موحدة تستطيع ان تواجه النظام ، وتقدم البديل المعقول والمقبول عنه داخليا سوريا وخارجيا على المستوى الإقليمي والدولي ، فينال الحراك السياسي السوري اذ ذاك كافة اشكال التضامن الدولي الذي يستحق ، كيف لا و هو الذي ينطق بالحق والعدالة و احترام حقوق الانسان و يعمل من اجل نظام ديمقراطي تعددي حر في سوريا
واذا سلمنا القول بفشل الثورة السورية و دخولها حالة الاستعصاء فلاننا نرى اثار هذا الفشل حاصلا بكوارث لا تعد و لا تحصى اصابت حياة السوريين ، و لأننا قبل ذلك رصدنا أسباب هذا الفشل ، منها أسباب داخلية متعلقة بعدم وجود قيادة صلبة وواعية في المعارضة و بإصابتها بعوامل التشتت و التشظي وامتلاكها قابلية بنائية تسمح لعامل التدخل الخارجي باستتباعها و الحاقها ،و بتوافر البيئة المناسبة في سورية و في مناطق الثورة على نحو التحديد لسيطرة الجماعات المتشددة والإرهابية التي تحكمت عسكريا في وقت لاحق بكافة اشكال الحياة في المناطق المحررة ، كل ذلك إضافة الى العوامل المتعلقة بطبيعة النظام الطائفي الذي جثا على اعناق السوريين لعقود طويلة ،
إن قيام الثورة السورية في 15 ذار 2011 كانت لها مستدعيات وأسباب عديدة، الأكثر وزنا منها يمكن رده لأبعاد داخلية حيث النظام البعثي العنصري والاستبدادي ثابر على اضطهاد غالبية الشعب السوري بشكل مباشر ساحق أو غير مباشر متضمن في الابعاد الناعمة و الرمزية للحياة في سورية ، اما الأسباب الخارجية فلا تتجاوز موضوع الاثار التي تركتها ثورات الربيع السوري على امال السوريين باحداث تغيير يحقق كرامتهم و ينتصر لتحقيق ارادتهم و تحصيل حقهم في حياة الكفاية و العدالة و الحرية ، لقد بثت المظاهرات في تونس ومصر وليبيا الامل في روح السوريين و وعيهم و شكلت فتيلا لاشعال المظاهرات الشعبية السلمية في سوريا ، التي طالبت أولا بإصلاحات اقتصادية و ديمقراطية و إدارية ما لبثت بعد ان قمعها النظام بوحشية ان تحولت الى ثورة تريد الإطاحة بنظام الحكم و قيام حكم ديمقراطي تعددي في البلد ، الا ان السطوة التي احرزها الخطاب الديني على الحراك الثوري حين بدأت المظاهرات تخرج من المساجد و حين سيطرت الشعارات الدينية والتسميات التي اطلقت على أيام الحراك في أيام الجمعة المتتالية كانت عوامل أدخلت الثورة السورية منذ اليوم الأول تحت تأثير التيار الأسلامي ، الامر الذي اودى لاحقا باحتمال التحاق الأقليات الدينية و المذهبية و بقية المكونات بعملية صنع الحراك و اطلاقه و احراز توسعاته المختلفة ، و هو ما زاد في تكريسه استبعاد هذه المكونات عن موقع التمثيل السياسي للثورة سواء في المجلس الوطني السوري أو في ائتلاف قوى الثورة و المعارضة او قبل هذا و ذاك في تنسيقيات الثورة السورية المتعددة و المختلفة .
إضافة إلى كل ما سبق فقد هيمنت الارادات الخارجية على تلك التشكيلات وسيطرت حركة الاخوان المسلمين على المجلس الوطني السوري و بقيت السمة الإسلامية هي السائدة و المسيطرة في تشكيل الائتلاف الوطني الذي رأسه إسلامي و خطيب مسجد في إشارة لا تخفى ، فبقي عمليا ليس بعيدا ابدا عما كانت عليه الحال في المجلس الوطني سواء في نمط الازمات او في اليات اتخاذ القرار او في معيقات الفعل و النجاح ..
وهنا يجب القول والاعتراف بان المعارضة السياسية في سوريا من كافة المكونات إثنية كانت أو دينية و مذهبية كانت قد فشلت فشلا ذريعا في توحيد قواها الوطنية من اجل قيادة الثورة في هذه المرحلة الحرجة من سنوات الحرب .و لم يكن انضمام بعض الشخصيات من المذاهب والإثنيات التي لا تنتمي الى الأغلبية إلى كيانية المعارضة الا عمليات زينة و مكياج خارجي لا تدل ابدا على حصول حالة شراكة او تمثيل لها في اطار المعارضة الممثل للثورة مجلس وطني او ائتلاف ،اذ ان حصول مثل هذه العمليات التزيينية لم يكن يعني باي وقت من الأوقات بان هذه المكونات السورية اصبحت ممثلة في هذه الأطر ، لأن الأشخاص المنضمين اليها إن كانوا من الطائفة العلوية أو الدرزية أو من الاثنية الكوردية كانوا على الحقيقة لا يمثلون سوى انفسهم .انفسهم و حسب .
اما بالنسبة للكرد فما يمكنني رصده و قوله متمثل في ان وجود الشعب الكوردي في سوريا كمكون أساسي من مكونات الشعب السوري يختلف كليا عن وجود الطوائف الأخرى مثل العلويين والدروز والمسيحيين ، فهي طوائف دينية تتكلم اللغة العربية نفسها في حين ان الكورد أولئك الذين يتجاوز عدهم و تعدادهم أربعة ملايين نسمة فهم شعب له لغته و ثقافته الخاصة و المميزة و قد عاش على ارضه منذ قدم التاريخ و الاف السنين و هو يمثل القومية الثانية في البلاد و يختلف حضوره و تأثيره السوسيولوجي في سوريا نظرا لحجمه الديمغرافي و حركاته السياسية الراسخة قياسا إلى الاثنيات الأخرى مثل الأشوريين والكلدان والسريان والشركس والتركمان فتلك أقليات صغيرة جدا من حيث التعداد السكاني ولا يتجاوز عدد معظمها مائتا الف ، مع ذلك حرصت الأنظمة المتعاقبة على حكم سوريا لا سيما حكم البعث و ال الأسد على عدم تمثيل الكرد في أروقة السلطة و مراكز الثقل فيها ، و تجدد ذلك على نحو مؤلم بعد الحراك الشعبي و الثورة فامتنع تمثيل الكرد في صيغ الثورة التنظيمية التي اخذت تقول عن تمثيلها للشعب الثائر ، و اخذت هذه الصيغ تحتل امكنة نشاطها في تركيا التي ما لبثت تجد في الكوردي عدوها كيفما تنفس او نشط او عاش ، لقد كان همها الأول والأخير القضاء على الوجود الكوردي أينما كان ،و لم تتردد في هذا السياق عن تسليم النظام غالبية مناطق الثورة تحت تأثير الهاجس الكوردي و تامرا عليه ، و مبادلة ذلك باحتلالها المناطق الكوردية الذي حصل بشكل مأساوي و على نحو اجرامي و غير مسبوق.
إن هذه العقبات وفقا للتوصيف أعلاه تتوضع أمام مسار الثورة وتعيق التحول الى المرحلة الديمقراطية ولا تتشكل بوجودها معطيات الفترة الانتقالية كما انها تثير القلق إزاء الخطر المحدق بقيم العيش المشترك في مرحلة التغيير في سورية.
ولا بد لي من التأكيد على أن عدم الاعتراف بالوجود القومي الكوردي في سوريا والقبول بخصوصياتهم الأثنية انما يعني و بشكل اوتوماتيكي التوجه نحو إقصاءهم من المشاركة في العملية السياسية القادمة وانه دون القيام بمقاربات سياسية تنظيمية وسلوكية جديدة من قبل قوى المعارضة خلافا للاعتبارات أعلاه سيمنعها عن تحقيق أي تقدم في العملية السياسية في مواجهة النظام والعائق حينها لن يكون إلا متوضعا في البنية الفكرية لا الأدوات أو الآليات
و دون اعتبار الكورد الذين يجهدون منذ ما قبل قيام الثورة بوقت طويل من أجل الديمقراطية والعدالة و المساواة في سورية مكونا رئيسي من مكونات البلاد يجري الاعتراف الدستوري بهويتهم القومية وبلغتهم لغة وطنية سورية لن تقوم للديمقراطية في سورية قائمة ، و يكفي النظر الى ما يقومون به في مجلس سوريا الديمقراطية و يكفي ما قدمه روادهم في المجال العسكري تحت اسم قوات سوريا الديمقراطية الى جانب اطراف الثورة السورية في عملية دحر التطرف الديني و تنظيم داعش الإرهابي ، و يكفي ما يرسخونه في المناطق التي يديرونها من قيم العيش المشترك و المبادئ العلمانية الديمقراطية و اهمية اللامركزية في ترسيخ الديمقراطية و توسيع توزيعها في البلاد حتى يدرك المرء أهمية بناء معارضة موحدة لا تستبعد المكون الكوردي ، معارضة تستطيع ان تقدم البديل الفعال و المقبول دوليا و إقليميا و محليا عن النظام القمعي الاسدي ، و من الحكمة في هذا السياق أن تقوم شخصيات سورية جديدة بصب جهودها على بناء جسم جديد يحقق وحدة كافة القوى الوطنية السورية من الشمال إلى الجنوب ومن اليمين إلى اليسار في كيان يمكن تسميته بالجبهة الوطنية الديمقراطية مثالا لا حصرا ، و الابتعاد ما امكن عن التبعية للدولة التركية و عن الخطابات الدينية المتطرفة و بالتأكيد القطيعة مع كل ما يمثله النظام في البلد من عدة و حضور و فعاليات ، هي المداخل الوحيدة التي تبدد العجز عن مواجهة استحقاقات المرحلة الديمقراطية على الصعيدين العسكري و السياسي ، و هو ما سيشكل بيضة القبان في تشكيل نظام تعددي ديمقراطي يستحقه السوريون كردا و عربا و من بقية المكونات .
د. توفيق حمدوش أمين عام لحزب الاتحاد الوطني الحر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق