الرأي

انقلاب “الإخوان المسلمين” ونظرية الإمام الغائب

يحتاج فهم حركة “الإخوان المسلمين” إلى دراسة أصول الحركة الفكرية ومنطلقاتها، مع ضرورة أن تكون الدراسة نقدية لتخترق وعي التنظيم وأدبياتة، فتفهم ما عجز في تفسيره عن نفسه. الخلفية النفسية والسياسية لقيادات التنظيم مهمة في فهم القيادات والتنظيم معاً، فلا يمكن قراءة التنظيم من دون استحضار هذه القيادات، فكثير من قادة التنظيم وأمرائه مشوهون نفسياً، إما بواقع الإيمان الأيديولوجي المتعصب، أو بسبب فترات السجن الطويلة التي شكلت وعي هذه القيادات، فبات أصحابها ينظرون إلى الدنيا من سجن ضيق ويحكمون على النّاس من ضيق الأفق أيضاً.

تلجأ أجهزة الاستخبارات إلى الكثير من الباحثين والمختصين لفهم التنظيمات المتطرفة، قد تمتلك هذه الأجهزة المعلومة، ولكنها تفتقد قراءة هذه المعلومات لا مجرد تحليلها، فمعرفة تنظيمات العنف والتطرف قد تجعلك تقرأ ما في عقل هذه التنظيمات وتتوقع سلوكها، كما تلجأ أجهزة الاستخبارات العالمية إلى قراءة تنظيمات العنف والتطرف من خلال الباحثين والمختصين، وهؤلاء الباحثون يقومون بتشريح هذه الظواهر لصانع القرار حتى يكون قادراً على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، فتكون مواجهتة مجدية وأكثر نفعاً.

صراع “الإخوان المسلمين” الأخير كشف بعض ملامح التنظيم التي قد تكون غائبة عن بعض النّاس والمراقبين، ما يحدث داخل التنظيم هو بمثابة انقلاب التنظيم على نفسه، ففكر الانقلاب يعيش في عقل التنظيم ووجدانه منذ نشأته قبل أكثر من تسعين عاماً، وهنا نلمح أن الانقلاب لم يكن على سياسات بل كان على الأفكار التي يمثلها كل فريق من المتصارعين، وهو أخطر ما في أزمة الإخوان الحالية.

انقلاب الشباب على قيادات الجماعة بدأ منذ وقت مبكر، وتحديداً بعد إخفاقات التنظيم عام 2013، ولكن تعاملت الجماعة بمنطقها الإزاحي، وهنا نستطيع القول إن الجماعة نجحت على مدار عقودها السابقة في إزاحة أي أصوات معارضة لها داخل التنظيم، فهي ترى في هذه الأصوات خطراً على الدعوة والتنظيم والدين، الأمر كان مختلفاً هذه المرة، فما عاد التنظيم قادراً على المواجهة، وهنا انتصرت معركة الشباب على القيادات التي طالما منعتهم من مجرد التعبير عن أنفسهم.

ما يحدث داخل تنظيم “الإخوان المسلمين” له علاقة بالشباب، وإن كانت غير مباشرة، هؤلاء الشباب يرون أن عجائز التنظيم وقياداتهم هم وراء تدهور حال التنظيم، ومن هنا بدأ صراع الأفكار والاتهامات التي تم التعامل معها كالعادة بتعسف شديد، انتهى بالمشهد الأخير الذي أقال فيه كل طرف الطرف الآخر، رغم أنهما ينتميان إلى فريق الصقور، وكل منهما اتهم الآخر بالفساد المالي والإداري والأخلاقي، فهذه أخلاق التنظيم التي حاول أن يخبئها طيلة قرن من الزمان.

اتهام كل طرف الطرف الثاني يأتي من خلفية الفشل والتقصير اللذين اتهمت بهما قيادات التنظيم وعجائزه على مدار العقد الأخير، بداية السقوط كانت عند الشباب، وهو ما أدركه التنظيم في وقت سابق، ولهذا السبب همّش هؤلاء الشباب ووجههم إلى حيث يريد التنظيم برؤية قياداته وليس إلى حيث يريد التنظيم برؤية شبابة وقوته الضاربة. على كل الأحوال، الشباب لم يفعلوا أكثر مما كانوا يفعلونه في السابق، سقوط التنظيم له علاقة بشيخوخة التنظيم والفكرة معاً، وهو ما أظهر التنظيم بصورة من يأكل بعضه بعضاً، وهي صورة واقعية.

الشباب هم من قادوا هذا الانقلاب على قيادات الجماعة، وهم سبب سقوط الحرس القديم، وهو ما دفع المتصارعين، القائم بأعمال المرشد والأمين العام للتنظيم، إبراهيم منير، والأمين العام للتنظيم سابقاً وعضو مكتب الإرشاد، محمود حسين، إلى مغازلة هؤلاء الشباب، فالأول عيّن صهيب عبد المقصود متحدثاً إعلامياً باسم التنظيم، كما اعترف بحق الشباب في انتقادهم في أول تسجيل مرئي له بعد قرار إعفائه من مهامه في مجلس شورى جماعة جبهة محمود حسين في إسطنبول، والثاني تواصل مع كل شباب التنظيم، وبخاصة أسرة الرئيس المعزول محمد مرسي التي بايعت حسين باعتباره الجهة الشرعية والمدافع الرئيس عن ثوابت التنظيم.

إبراهيم منير، الذي تغزل وما زال بالشباب، هو نفسه الذي لم يعطهم أي حق في الإدارة، يدّعي إيمانه بالشباب ويتمسك بمنصبه وقد قارب عمره التسعين عاماً، هو وكل مساعديه في مكتب لندن، وتعيين صهيب جاء ذراً للرماد في العيون.

لا ندري أي المصطلحات أدق توصيفاً لما يحدث داخل “الإخوان المسلمين” حالياً، هل يمكن وصف ما يحدث بانقلاب الشباب على القيادات أم بثورة هؤلاء الشباب على هذه القيادات، ولمن تكون هذه الشرعية؟ فكل مؤسسات الجماعة الفاعلة بلا شباب، في مقدمتها مكتب الإرشاد ومجلس شورى الجماعة، وأغلب أعضائه ممن تجاوزت أعمارهم الستين عاماً، وكثير منهم وصل إلى السبعين وحتى التسعين من عمره، فكثير من أعضاء المكتب والمجلس ذهب بمنصبه إلى القبر.

صحيح أن الشباب هم القوة الضاربة للتنظيم، ولكنهم أشبه بالجنود، وهكذا رباهم التنظيم، لا يعرفون إلا السمع والطاعة، خاطبهم المؤسس الأول حسن البنا برسالة سماها “إلى الشباب” ورددتها من بعده كل قيادات الجماعة، استخدم هؤلاء الشباب في الشحن أثناء الفعاليات وليس في اتخاذ القرارات أو في الإدارة، صحيح كانت تتزين الجماعة بين الوقت والآخر بهؤلاء الشباب في المناسبات، ولكنها في الواقع أقصت هؤلاء الشباب عن أي مواقع قيادية أو ما يخص الإدارة على المستوى التنفيذي في أعلى هرم التنظيم.

خابت أرصدة جبهتي محمود حسين وإبراهيم منير من الشباب، يئسوا عندما كانوا يوجهون انتقاداتهم للتنظيم، فيكيل لهم العجائز الاتهامات حتى جمدوا عضويتهم في التنظيم، وباتوا غير فاعلين في داخله، وهنا يمكن القول إن هؤلاء الشباب انقسموا إلى ثلاثة أقسام، قسم ترك التنظيم وآخر جمّد عضويته، بينما القسم الثالث هرب من التنظيم إلى التنظيمات الأكثر عنفاً أو التي تشبه الجماعة مثل “القاعدة” و”داعش”، فهؤلاء الشباب، كما كانوا القوة الضاربة في التنظيم، كانوا أيضاً القوة التي ضربت التنظيم، فقد سقط صريعاً بسبب هؤلاء الشباب.

نظرية الإمام الغائب، من أهم أوجة الفساد داخل تنظيم “الإخوان المسلمين”، فقد حلت محل الإمام العادل في التراث الإسلامي، يحكي القائم بأعمال مرشد الإخوان إبراهيم منير، أن الأمين العام للتنظيم سابقاً محمود حسين كان ينقل معلومات مغلوطة عن القائم بأعمال المرشد محمود عزت قبل إلقاء القبض عليه، وبناءً عليه صدرت قرارات في غير محلها كانت سبباً في بعض الإخفاقات، اعتبر إبراهيم منير، أن ما فعله محمود حسين هو نوع من أنواع الفساد.

لك أن تتخيل أن تنظيم “الإخوان المسلمين” كان يحكم من خلال قرارات كان ينقلها محمود حسين عن الإمام الغائب، وهو الوحيد صاحب همزة الوصل وطريقة التواصل، ثم تشكك قيادة الجماعة في هذا التواصل وتتهمه بذمته المالية، لك أن تتخيل شكل التنظيم، ليس فقط في حجم الفساد في داخله، ولكن في طريقة الإدارة. ليس هذا فحسب، ولكن أيضاً بمنهج التلقي داخل التنظيم.

لك أن تتخيل ولك أن تعتبر ذلك مشهداً سينمائياً قابلاً للتصديق مع التطبيق فقط، محمود حسين يُصدر تكليفات لكل أعضاء الجماعة ويقيل اللجنة الإدارية العليا مرات عدة، هذه التكليفات لها علاقة بمصير التنظيم وأفراده، ويدّعي أنه وفق تكليفات القائم بأعمال المرشد محمود عزت، والجماعة عن بكرة أبيها تصدق محمود حسين وتتماهى مع القرارات ثم تكتشف عكس ذلك، وتتم إقالته لهذا السبب، الأمر لا يختلف كثيراً عن الطبيب الذي وصّف المرض توصيفاً خاطئاً وأعطى أدوية خاطئة للمريض أودعته غرفة العناية الفائقة وباتت تلامس روحه السماء بسبب هذا العلاج، فيعفيه مدير المستشفى من عمله!

ولذلك عندما نصف هذه الجماعة بأن أعضاءها جهلة لا نريد تسفيه هؤلاء الأعضاء، حتى ولو كانوا من حملة الشهادات العليا، وهم كذلك، وإن ارتضوا أن يهمشوا عقولهم أو أن يبيعهوها لتنظيم تحت شعار “السمع والطاعة”، إنما نريد شرح الواقع وتشريح التنظيم وفق ما أشرنا إليه من أهمية بالغة، بخاصة بقراءة التنظيم قراءة دقيقة، فالإخوان جماعة الغيبيات أيضاً، وأبسط دليل على ذلك إيمانها بالإمام الغائب قرابة 7 سنوات أدت في النهاية إلى انقلاب التنظيم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق