الرأي

الائتلاف السوري المعارض ’’القسم الأول’’

صالح بوزان

لنتذكر أن تجمعات المعارضة السورية قبل الثورة لم تتطرق يوماً لحزب العمال الكردستاني لا سلباً ولا إيجاباً. كما أن المجلس الوطني السوري الذي تشكل بعد الثورة مباشرة، هو الآخر لم يتطرق لهذا الحزب. ولم يكن لديه موقف عدائي مع حزب الاتحاد الديمقراطي. بل جرت لقاءات بينهما حول الشأن السوري دون أي اتهام له بالارتباط بحزب العمال الكردستاني.
سرعان ما جرى فرز داخل صفوف المعارضة السورية التي مثلت في البداية توجهاً أفضل مقارنة بالنظام السوري. فابتعد عنها العلمانيون والمتنورون والديمقراطيون، سواء بالإبعاد القصري أو باختيارهم. وبقيت الهيمنة لثلة الاخوان المسلمين والبعثيين المنشقين وبعض رؤساء العشائر العربية السورية وبالتحالف مع حكومة أردوغان والميليشيات الاسلامية الجهادية المختلفة في الداخل السوري والخاضعة خضوعاً مباشراً للحكومة التركية.
كانت المعارضة السورية تريد أن تكون الممثل الوحيد لكافة الشعب السوري والناطق الرسمي باسمه. وسعت حكومة أردوغان بكل ثقلها لتجسيد هذا التمثيل على الصعيد الاقليمي والدولي. حدث ما لم يكن في الحسبان. فمن ناحية بدأت الثورة السورية تحت قيادة الاخوان المسلمين وبالاتفاق مع أردوغان تخرج عن مسارها. فظهر التوجه الاسلامي السني أكثر وضوحاً. برزت ملامح هذا التوجه الاسلامي في المناطق التي هيمنت عليها المليشيات التابعة للمعارضة. فبدأ تطبيق الشريعة الاسلامية، ونهب ممتلكات المواطنين باسم مغانم الحرب، والقتل على الهوية الطائفية والقومية أحياناً. توجّس المواطن السوري والعالم الغربي من هذا التغيير في مسار الثورة السورية. وبدأت الهيمنة التركية الكاملة على المعارضة السورية. وبالمقابل كانت وحدات حماية الشعب والمرأة قوة عسكرية كفاحية بعيدة عن ممارسات الميليشيات الاسلامية الجهادية. أقام حزب الاتحاد الديمقراطي إدارة ذاتية في المناطق التي يسيطر عليها. فتحالف مع العرب والسريان والآشوريين في تشكيل هذه الادارة العلمانية والمتعددة القوميات والديانات. أظهرت الادارة الذاتية فسحة من الديمقراطية، وتلبية احتياجات المواطنين الأساسية بقدر ما تسمح به ظروف الحرب والحصار المتعدد الجهات للإدارة الذاتية ولا سيما من قبل الحكومة التركية.
بغض النظر عن الدعاية الاعلامية وصراعاتها، أظهرت الادارة الذاتية نموذجاً أفضل من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية مقارنة مع المعارضة السورية والنظام السوري. ظهرت قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية منضبطة تلتزم بأوامر قياداتها بشكل صارم ونظيفة اليد. وبالتالي برزت في الساحة السورية قوة ثالثة تمثل السوريين، وتختلف فكرياً وسياسياً وعسكرياً ووطنياً عن النظام السوري وعن المعارضة السورية. اعتبرت المعارضة السورية أن هذه القوة الثالثة تشكل تهديداً أقوى من تهديد النظام السوري لها. فتراجعت عن كل شعاراتها البراقة ضد النظام السوري، وأبدت الاستعداد للتفاهم معه، في الوقت الذي رفضت رفضاً قاطعاً التفاهم مع الادارة الذاتية. بل صعّدت هجومها ضد حزب الاتحاد الديمقراطي بشكل سافر. في البداية عزفت المعارضة السورية تلك الموسيقى البعثية التالفة باتهام الكرد بالتوجه الانفصالي بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي. لكن قوات حماية الشعب والمرأة أظهرت وطنية سورية أصدق من وطنية النظام السوري ومن وطنية المعارضة التي وقفت سياسياً وعسكرياً مع المحتل التركي لأجزاء واسعة من الشمال السوري وسمّت هذا الاحتلال بالتحرير.
لم تكن لدى المعارضة السورية أية ورقة سياسية أو فكرية أو أخلاقية ضد حزب الاتحاد الديمقراطي سوى اتهامه بالإرهاب. لكن سلوك مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية أبعد ما تكون عن الارهاب، ولا يمكن اقناع أي جهة داخلية أو اقليمية أو عالمية بهذه التهمة. فتبنت وصفة أردوغان أن هذا الحزب يقاد من قبل حزب العمال الكردستاني الموجود على لائحة الارهاب في بعض الدول الأوروبية وأمريكا. وبات قادة المعارضة يتشدقون مع أردوغان أن لا مشكلة لهم مع الكرد، وإنما مشكلتهم مع حزب العمال الكردستاني.
كان واضحاً أن هذا النهج من قبل المعارضة السورية يعبر عن حقيقة واحدة، وهي عجزهم عن تقديم بديل سياسي واجتماعي ووطني عما يقدمه ويمارسه على الأرض حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية.

يتبع..

صالح بوزان : باحث وكاتب كردي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق