تحليل وحوارات

كيف تحولت منظمة “IHH” إلى واجهة أردوغان الخفية للتوغل في العالم؟

عبر جمعيات تتخذ من العمل الإنساني غطاء لها، يعمل النظام السياسي التركي على خوض حروب عابرة للحدود بواسطة الجيش أو بواسطة المنظمات والشركات الأمنية التي تقدم غطاء للاستخبارات التركية، لتنفيذ عمليات نوعية وإحداث اختراقات عابرة للشعوب والمجتمعات؛ خصوصاً تلك التي شهدت حروباً أهلية، مثل: ليبيا والعراق وسوريا؛ الأمر الذي يشكل تهديدات أمنية للاستقرار العربي.

وفي السنوات العشر الأخيرة؛ وبخاصة بعد تمدد تركيا في بعض المناطق في محيطها وسيطرتها على بعض المناطق في ليبيا وشمالي العراق وشمالي سوريا وشمالي قبرص وظهور حضورها الإقليمي، كما في ناغورنو كاراباخ والصومال وقطر ولبنان.. وغيرها، إلى أن وصل الأمر حتى إلى اختراق القارة العجوز “أوروبا”. تزايد التركيز على أنشطة السلطة التركية المختلفة؛ خصوصاً في أوروبا في ظل ظهور ترابط وثيق بين السلطة والمخابرات التركية من جهة، وبعض منظمات وتنظيمات “الإسلام السياسي” من الجهة الأخرى.

ومن هنا كان لا بد من التخفي وراء منظمات إنسانية وإغاثية؛ مثل: هيئة الإغاثة الإنسانية ”IHH”، ووكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، وهيئة الشؤون الدينية والمعاهد التابعة لها، وحتى ما يُسمى البيوت التركية للثقافة في أوروبا وأمريكا، وحتى قسم كبير من مجالس الأعمال التركية الثنائية مع رجال الأعمال والمؤسسات في الدول الأخرى الأوروبية والأمريكية، وغيرها في العديد من الدول حول العالم.

وهذا ما يذهب إليه المحلل والخبير في الشؤون التركية أحمد شيخو، الذي يرى، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن هذه المؤسسات الخيرية والإغاثية والدينية والتجارية أصبحت أدوات لتطبيق السياسة الخارجية التركية لسلطة أردوغان وحزب العدالة والتنمية ومشروعاتها وأجندتها السلطوية.

وتقوم وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” بمواصلة أنشطتها عبر 62 مكتباً تنسيقياً في 60 دولة، وتقوم ما تُسمى هيئة الإغاثة الإنسانية “IHH” بممارسة النشاط والوجود في 135 دولة حول العالم؛ منها العديد من الدول الأوروبية، كما أن منظمة الشؤون الدينية أصبح لها ملحقون وممثلون في كل سفارات تركيا في الخارج وَفق أمر أصدره أردوغان؛ لتمكينه من العمل واستخدام الأطر الدبلوماسية الرسمية في الدول المستهدفة.

أذرع للمخابرات التركية

ويؤكد شيخو أن هذه المؤسسات أصبحت تتبع مباشرة الاستخبارات التركية في ظل حكم أردوغان وحزب العدالة والتنمية؛ وعلى رأسها هيئة الإغاثة التركية، حيث إنها تشكل ذراع أردوغان لاختراق المجتمعات الإسلامية وتخريب العالم الإسلامي وأماكن وجوده في أوروبا وإعادة تشكيله وَفق رؤية ووعي حزب العدالة والتنمية وأردوغان، مشيراً إلى أنه يتم استعمال هذه المؤسسات للتجسس على المواطنين الأتراك وإعطاء المعلومات عن المعارضين لأردوغان، والمشاركة مع الاستخبارات التركية في خطفهم وجلبهم إلى تركيا.

ويوضح شيخو أن أخطر أدوار هذه المؤسسات في أوروبا يتمثل في تجنيد المتطرفين والمتشددين الإسلامين ودعمهم لصالح جهات عسكرية مشبوهة، علاوةً على أن هذه المؤسسات أصبحت تلعب دور التعبئة المالية والإعلامية للحركات “الإسلاموية” التي تعمل كأذرع لحزب العدالة والتنمية في المنطقة وأوروبا والعالم، وتقوم بالتأثير على الوسط الذي تعيش فيه في أوروبا؛ لخلق تعاطف مع الحركات والتوجهات الإسلامية في العالم، وهذا ما يشكل بيئة حاضنة وداعمة مع مرور الأيام للحركات المتشددة والمتطرفة، وخروج الذئاب المنفردة من هذه الأوساط.

ويضيف شيخو، في سياق توضيحه أدوار تلك المنظمات، بالقول: “هيئة الإغاثة IHH تقوم بدور مهم وانتقائي في رصد الإعلاميين والصحفيين في أماكن عملها، كما في أوروبا، وتسفيرهم إلى تركيا للخضوع للدورات التدريبية تحت مسمى تنمية بشرية أو تنمية مهارات وخلافه أو رحلات وزيارت، ثم توظيفها في الاستراتيجية التركية وأجندتها”.

كما تقوم هذه المؤسسات، حسب رؤية شيخو، باختراق البلاد عبر شبكات وشخصيات للتأثير على المجتمع الأوروبي، ونشر التطرف والفوضى وزرع النزعات الانفصالية بصورة “لا تتوافق مع قيم الاتحاد الأوروبي”، مشيراً إلى أن هناك العشرات من الوقائع والتقارير التي تؤكد العمل والتأثير السلبي لهذه الأذرع التركية في العديد من الدول الأوروبية كما في فرنسا وهولندا والنمسا والمجر وألمانيا وغيرها، بالإضافة إلى بعض الخلايا التي بعثتها تركيا عبر موجات اللاجئين إلى أوروبا في السنوات الأخيرة، والتي من الممكن أن تشكل نقاط تهديد تركية للدول التي تعارض سياسات تركيا الخارجية والداخلية.

ويختم شيخو حديثه، قائلاً: “من المهم الإشارة إلى المواقف الأوروبية والدولية التي لم تأخذ هذا السلوك التركي بجدية كافية حتى الآن رغم محاولة بعض الدول الأوروبية وضع قيود على تحركات ما تُسمى منظمة الذئاب الرمادية الإرهابية التي تشكل قنبلة من الحقد والفاشية تجاه الآخر، والتقرب بحذر من المؤسسات الدينية والإغاثية التركية في أوروبا”، مشدداً على أن المطلوب في هذه الظروف هو محاسبة تركيا على هذه الأعمال التي تخل بالاستقرار والأمن في المنطقة وأوروبا بشكل خاص؛ حتى لا تتكرر المجازر التي حصلت في فرنسا وبعض الدول الأخرى على يد بعض المتطرفين والإسلامويين الذين لهم على الغالب صلات مع المؤسسات والمنظمات التركية وزاروا تركيا وتدربوا في مناطق نفوذها وسيطرتها على دول المنطقة.

إغاثة تحت غطاء التجسس

وتنشط “هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات”، التي تأسست في إسطنبول عام 1992، في مجال الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والدبلوماسية الإنسانية في أكثر من 100 دولة، وتعمل على جمع التبرعات والمساعدات الإنسانية وتقديمها إلى ضحايا الأزمات والصراعات، حسب ما تقول، إلا أن المنظمة التركية تعتبر أداة تابعة لوكالة المخابرات التركية، وتحظى بدعم حكومة أردوغان التي منحتها امتيازات خاصة لجمع الأموال.

وهذا ما يذهب إليه المحلل السياسي التركي محمد علي أردوغان، مشيراً، في تصريحات خاصة أدلى بها إلى “كيوبوست”، إلى أن هيئة الإغاثة الإنسانية التي أُسست في بداية التسعينيات، أي قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، كانت تضطلع بأدوار متنوعة.

ويرى الخبير التركي أن الهيئة خلال السنوات العشر الأخيرة صعدت من نشاطاتها في كثير من الدول الإفريقية والآسيوية والأوروبية وفي أنحاء العالم، وبرز على وجه الخصوص في القضايا والمساعدات الإنسانية (افتتاح مكاتب وفروع، ومساجد، ومستشفيات، وحفر آبار)؛ لكن هذا يأتي بسبب تطور ونمو العلاقة بين الاستخبارات التركية ووزارة الخارجية، اللتين لا تستطيع الهيئة أن تلعب أي دور خارجي إلا من خلالهما في كثير من الدول.

لكن تبقى علاقة الهيئة مع الاستخبارات التركية علاقة شائكة ومعقدة، حسب رؤية الخبير التركي محمد أردوغان، ويبقى السؤال قائماً: “ما المجالات التي تستفيدها من الهيئة؟ خصوصاً بعد أحداث 15 يوليو 2016، ومحاولة الانقلاب على أردوغان، وانقطاع علاقة حزب العدالة والتنمية مع منظمة فتح الله غولن، وعلى إثرها تم تأسيس وقف المعارف التركي (عام 2016)، والذي بدأ بالسيطرة على المؤسسات التعليمية والمدارس التابعة لمنظمة فتح الله غولن في جميع أنحاء العالم، ونقلت لصالح وقف المعارف، وكلها باتت مسخَّرة في تنفيذ أجندات الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية”.

ويوضح الخبير التركي أيضاً أن الكثير من التبرعات التي كانت تُجمع عبر الهيئة، يذهب جزء كبير منها إلى التنظيمات المسلحة في سوريا، على الرغم من أن لديها الكثير من الأعمال الخيرية والنشاطات الإنسانية الموثقة في جميع أنحاء العالم، وبسبب علاقتها مع الحكومة والمخابرات والخارجية التركية، فإنها باتت تُستعمل في تمرير أجندات ومصالح أردوغان وحزبه في سوريا وليبيا؛ حيث كان للهيئة دور كبير في دعم المعارضة والتنظيمات المسلحة في سوريا.

المصدر: كيو بوست

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق