غير مصنف

مقاطع حب مؤثرة من رواية سِيامَندْ وخَجْيْ

بصوت الفنانة: سارة علي

خَجْيْ التي أضاءت لي حياتي، وأذاقتني طعمَ عسل الحياة، ونشوةَ خفقات القلب، كَشَفتْ لي ذاك الليل الحالك الذي كان يجثمُ على عمري، واستطاعت بقوة حبِّها أن تُزيحه لتضفي إلى حياتي قيمةً جديدةً ما كان لي عهدٌ بها.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

لم أكن أعلم أن كل هذه الوقائع سوف تتحوّل ذات يوم إلى مجرّد ذكرياتْ عابقةْ بالنسبة لي، وبالنسبة لأميرة حبي، وأنني سأتولى روايتها بكل هذا الشَجَن كما لو أن قلبي يعزفُ على أوتارِ نشيدِ الحب الذي جَمَعَنا.

استطاعت هذه المرأة التي تفوق العذوبةَ عذوبةً أن تُغيّر مجرى حياتي كلها، تشبك شرايين قلبها بشرايين قلبي لنَمضي معاً بِهَديِ خفقات قَلبَينا دون أن ندري أين يحط بنا الرحالُ، ودون أن يعنينا ذلك كثيراً بقدرما يعنينا أن نكون معاً.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

في دُجى الليل غدوتُ أُطيل السَهَرَ في خيمتي، أعزفُ بشجنٍ على أوتار الطنبور، وأغدو فريسةً لمشاعر حاجتي الشديدة إلى امرأة أَهيمَ بحبِّها، أنظرُ إليها نظراتْ عميقةْ مُستغرقة، فتُذيقني حلاوةَ الحب،

أكونُ معها ولايهمني في العالم كله سواها.

أعزف على أوتار طنبورتي وأدندن وأنا أتخيلها جالسةً بجانبي وتستمع إلى نجواي، تُلهمني كلمات لم أقلها من قبل، ألحاناً لم تعزفها أوتار طنبورتي من قبل.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

عندها فقط أدركتُ مدى أهمية حضور المرأة في حياة الرجل، وأن رجلاً تخلو حياتُه من المرأة، حالُه كحال ربيعٍ يخلو من مروجٍ خضراءْ.
إنه مهما مارس من حرية، فإن كل تلك المساحة الشاسعة من الحرية التي يمارسها تكون ضئيلةً إزاء نفحات الحرية التي يستشعرها، ويتذوَّق لذة عسلها ساعةَ يشبك كفه بكف المرأة التي يحبها كل الحب، ويستكشف أبعاد حريةٍ لم يلمسها من قبل وهو مستغرقٌ بالنظر في جماليةِ حضورِها، ويستأنسُ بعبير رائحتها إلى جانبه.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

اكتشفتُ في خِضَمِ ذلك أن الخيمةَ التي لاتسكُنها امرأةٌ، هي خيمةٌ بِلا حياة، ثم تخيّلتني أُقيم في قصرٍ، فأتلظَّى بنارِ عُزلتي، وَوِحشَة قَصري دون امرأة،،، تخيَّلتني مَلِكاً على أبناء جلدتي، فأتجرّع عَلقِم التجرّد من مزايا مُلكي لأن ليست ثمة مَلِكة تبرك حدّي، إذ لا تتوِّج المَلِك مَلِكاً على عرشه سوى مَلِكة.

بدأتْ مشاعر الحرمان من المرأة تستبدّ بي وتفسد عليّ صفاء ليلي، فأخرجُ في سكونِ الليلِ لأرى (لِيْان) الصبية الغجرية الجميلة ساهرةً على بابِ خَيمتي في حلكة الظلام الدامس، تلك الصبية الرقيقة التي تَعلَّقَ فؤادُها بي، وبدأتُ أرى ذبولَ عودِها يوماً إثر يوم، وأنا أصدّها عن دربي، وأسعى إلى إقناعها بأن أفظع خديعة يمكن للرجل أن يَقدم عليها بحق المرأة، عندما يتزوّج امرأةً لايسبقه قلبُه إليها.

نَنتَصِبُ معاً أمام بابِ الخيمةِ كشَبَحَين وَسَط حُلكة الظلام وأنا أشرح لها جاهداً بأنني لا أملك مشاعر الحب نحوها، ويتعذَّر عليَّ الاقتران بامرأة لا يخفقُ قلبي لحُبِها، ولاتسبقني نظراتُ حنيني إليها.

تَنشجُ بصوتٍ كَسيرٍ، وتَمضي بكآبةٍ صوب خيمة أهلها.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

أدركتُ حينها بأنني في عمرٍ أكثر ما أحتاج فيه إلى حبيبةٍ نؤسّس معاً عائلةً ولو في كهفِ جَبَل، وسوف يكون العيشُ في ذاك الكهف المهجور أحبّ وأنعم إلي من العَيش في قصرٍ مَلَكيٍ محفوفٍ بالحرّاس، وسوف أتذوّقُ لذةَ الحياة، وأنتشي بِرَغَد العَيش أكثر من ذاك الملك الأعزل من رائحة المرأة.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

أبحث عن تلك المرأة التي تُحدث لي زلزالاً في العمق، ترجرج قاع نفسي منذ نظرةٍ أولى إليها، المرأة التي أشمُّ منها رائحة أمي المفقودة، رائحة أختي الافتراضية، المرأة التي تُلخص في ناظرَي كل نساء الأرض.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

لبثتُ يقظةً ونظراتي متسمِّرةً في باب غُرفتكَ المُشرَع، يُباغتني إحساسٌ مُبهمٌ بأن شخصاً ما يستلقي هناك على ضوء الفانوس الخافت، شخصٌ لم يسبق لأحدً غيره قط أن حرّك في نفسي ذاك الشعور المبهم، شخصٌ واحدٌ دون غيرِهِ شممتُ منه رائحةَ المستقبل وأنا أضمد جراحه.

في تلك اللحظات لاأعرف لماذا راودني إحساسٌ بأنني أتعرَّف على قلبي لأول مرة، القلب الذي ألِفته جيداً لم يعد طَوع معرفتي المعهودة به من قَبل، أحسستُ في تلك اللحظات الهاربة بأنني أستمع إلى أغنيةٍ عذبةٍ،
تحوّل سكونُ الليلٍ إلى موسيقى شَجيَّة تصدح في مَسمَعي.

كُلُ عضوٍ فيَّ بدا مُنشرِحاً، وخلتُ بأن وجهي أمسى وردةً مُنتشيةً تتفتحُ على كتف جبلٍ تكسوه الخضرةُ.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

عندما غرق الجميع في النوم، نهضتُ من فرشتي، ثم ربّتُ بأناملي على كتف أمي حتى أيقظتها وطلبتُ منها بهمسٍ أن تأذنَ لي كي أُلقي نظرةً إليك، وأرى إن كنتَ تحتاج شيئاً، فأومأتْ رأسها بالإيجاب، ثم عادتْ إلى نومها المستغرق.

خطوتُ خطواتٍ وئيدةْ صوب حُجرَتكَ، وراحت أناملي ترفع قليلاً من شعلة الفانوس، وقفتُ أنظر إلى وجهكَ ملياً، وبعد لحظاتٍ زحفتْ كفي إلى جبهتك، فتلمستُ حرارةً مُرتفعةً،

إذ ذاك فتحتَ عينيكَ فسارعتكَ القولَ: هل أنتَ بخير.. ألا تحتاج شيئاً؟

نَبَستَ بريقٍ جافٍ: ماء

رفعتُ رأسكَ بكفٍ، وبالكف الأخرى وضعتُ كأس الماء في فمِكَ، فجرعتها بشربةٍ واحدةٍ، ثم ملأتها ثانية، وقدّمتها لك حتى شرِبتها واكتفيتْ، عندها بلَّلتُ قطعةً من القماش، وضعتُ على جبهتك كمّامة، وخرجت.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

كان ذاك الحديث الذي يدور بينهم يتحوّل إلى نيران تخترق سمعي، وأنا أشاركهم الجلوسَ دون أن تَبدر مني كلمةً واحدةً، كنتُ فقط بين لحظةٍ وأخرى أختلسُ نظرةُ منكِ فأرى حجمَ الاحتقان الذي يتداعى من وجهٍكِ بسببي.

كل نظرة إليك كانت تُدمّرني، وتُلهب النيرانَ بين ضلوعي، فهاهي المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تهزني من العمق، وأنا أكتم مشاعري نحوها سوف تُصبح من نصيب غيري، هاهي المرأة التي أحببتُها كلَ الحب، وتعلّق فؤادي بها كلَ التعلّق سوف تُغادرني إلى حضنِ رجلٍ آخر، وهاهي ساعةُ المغادَرة المشؤومة تُقرعُ بكلِ حَسمٍ، حينها بلغتُ قراري كي أخرج عن كتماني وأواجهكِ بالحقيقة.

لبثتْ خجي تنظر إليه موحية بأنها تسمع منه هذا البوح لأول مرة، فقال وهو يبادلها نظرات الحب الفائضة: في اليوم التالي تقصدتُ أن أرقبكِ، وعندما رأيتكِ قادمةً من بَعيد تحت حمل الحطب الذي كان مثبَّتاً على ظهركِ بواسطة حبل، هرولتُ إليكِ حتى وقفتُ بجانبك، عندها توقفتْ بكِ قدماكِ، ثم صرتي تُجففين العرق الذي يتصبَّب بغزارةٍ من وجهك المُحمَر.

قلتُ لك: خَجي إن كنتِ تحبين خزنَدار، فسوف أقوم بتقديم التهنئة إليكما، وإن كنتِ تحبينني، فسوف أقدْم على كل ما أستطيع من أجل أن نهنأ بِحبِنا.

بعد أن التقيتكِ يا حبيبة العمر، لاتوجد قوة على سطح الأرض تُفرّق بيننا سوى قوة رفضك لي.

احمّرت وجنتا خجي في تلك اللحظات وهي تُصغي إليه بانصاتٍ تامٍ، فقال: لم تخرج كلمة واحدة من فيكِ إذذاك، لكن نظراتكِ إلي كانت أفصح من أي كلام يمكن لك قوله، فانشرح صدري وعدتُ جارياً إلى البيت.
من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

كلُ شيءٍ جَذَبني إلى سِيامَندْ، عذوبُته التي تقطر عسلاً
شجاعتُه التي تعبق بمسك الرجولة
إخلاصُه الذي كنقاءِ حليبِ الأم
حُبه الشامخ كهامـةِ جَبَل.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

كلْ لحظة حرمان اكتويتُ بلظاها،
تِبرعَمت إلى لحظةٍ ظَفَرٍ وهبتُها لِخَجي

كلْ لمسة حنان افتقدتها،
أمست لمسة حنان ضممتُ بها خجي
كلْ دمعة شوق سكبتُها،
تحوّلت إلى دمعةٍ لقاءٍ سكبتها في حضور خجي
كلْ ترنيمة عشق تخيلتُها،
أصبحت ترنيمةَ عشقٍ دندنتُ بها لخجي

خَجي التي علمتني معنى الرجولة،
علمتني كيف يتحوّل الحبُ إلى قضية،
علمتني كيف أرقصُ،
وأغني،
وأبكي ،
وأضحك في لحظةٍ واحدة .
وأنا هائمٌ في حُبِ خجي،عرفتُ مُتعة ترقرق دموع الشوق في العينَين
خجي التي عزفتُ لها أجمل الألحان قبل أن أراها
غنيتُ لها أروعَ الأغاني قبل أن ألتقيها
خجي التي استحضرتها في نومي،
وفي يقظتي،
في ضحكي،
وفي بكائي.

تحوَّلَتْ إلى قمرٍ في سمائي،
إلى شجرةِ وردٍ في صحرائي،
خجي التي أتت لتستفتح نبضات القلب،
ثم تضع عليه ختمَ حبها.
من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

هكذا شعرتُ برفقة حبيبتي بأننا تركنا خلفنا قَحط عالمٍ قاحلٍ، وَوَلجنا حوافَ عالمٍ سحريٍ شيّدتْ لبناتَه خفقاتُ قلبَينا.
كلُ الدروبِ بدت مشرعةً أمامنا،
غدت الجبالُ الخضراءُ تُسمِعنا عذوبةَ موسيقاها،
تتراقصُ الأشجارُ طَرَباً في دروبِنا،
الزهورُ تنثرُ إلينا كل ما مَلَكت من عبير،
حتى الطيور في السماء بدت تشاركنا عرسنا.
من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

أمسكتُ بيد حبيبتي، مضيتُ بها حتى عثرنا على موضع طاب لنا المكوث فيه.
بدأت أشعر بجبلٍ من التعب يحطُ على بَدَني مع لحظات استلقائي على ظهري، ورأيتني أتوسد ساقَ حبيبتي، وقد دسَّتْ أنامِلَها بين ثنايا شعري.
تلذذتْ نفسي لأولِ مرةٍ مذاقَ عسل الحب، أحسستُ بأننا غدونا في أكثر أركان الأرض أمناً.
غفوتُ وأنا أتمتم لنفسي: مادامت يد خجي بيدي، فإن العالم كله سيكون طوع أمري، خجي هي زبدة الحياة، هي صفوة أيام العمر.
من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

سوف نصنع معاً عالمنا الخاص بنا، ننجب أطفالاً يشبهوننا، أسمّي الولد الأول
(شمزين) كناية بأبي، والبنت الأولى (بهروز) كناية بأمي، نُعلّمهم صيدَ الأدغال، والسباحةَ في الأنهار، وسباقَ الخَيل، نُعلمهم أن الحب هو قلبُ بَدَنِ الحياة، وأن حياةً بِلا حب، هي بَدَنٌ بِلا قلب.
قالت خجي: بدت تلك اللحظات تمضي علي بنشوةٍ لم يسبق لي أن أدركتها وقد اعتراني إحساسٌ بقوة الطمأنينة، أدركتُ معها بأنني أحسنتُ الاختيار، وقد انفتحت صفحة جديدة في دفتر حياتي.
غمرني إحساس وأنا أنظر إلى حبيبي يتوسد ساقي غافياً، بأن قوته تفوق قوة كل تلك الجبال التي تحيط بنا.
من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

خجي، أعتذر على كل ما بَدَرَ مني بحقِكِ، أُدركُ حَجمَ الكارثة التي ألحقتها بك نتيجة أنانيتي كي أظفر بكِ، لكن اغفري لي يا عزيزتي بقلبك الكبير، فإن حرماني من عاطفة الأم، انعكس على قوة حبي لكِ، بدأتُ أعوّض من خلال حبي لك كل ما حرمته من حنان أمي المفقودة، فأصبح حبي إليك مارداً لا يعرف الحدود.

هكذا صنعتني ظروف تربيتي القاسية، فإما أن أعطي كل شيء، أولا أعطي شيئاً، إما أن أنجرف إلى الحب بكل طاقاتي ومكنوناتي، أولا أحب، وهكذا أردتُ للمرأة التي سوف أقترن بها، فإما أن تعطيني كل شيء، أولا تعطيني شيئاً، إما أن تحبني كل الحب، أو لا تحبني قط، إما أن تهيمن على كل مفاصل حياتي، أو تبقى دون ذلك.

ضحكت خجي وقالت: هكذا ألفتك يا عمري، وهكذا ستبقى، ولو لم تكن هكذا، لما كنا الآن معاً نتذوّق عسل لحظات قشدة العشق.
من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

نظر إلى عينيها بِتَوقٍ عميقٍ كما لو أنه يكتشف جماليتهما لأول مرة، ثم أخذ كفَّيها بحضنَي كفَّيه، أخذتْ الأناملُ تتشابكُ وتتعانقُ مع بعضها البعض، ثم هتف ونبرات صوته تفيض حباً: كم كنتُ تعيساُ في دائرة تلك اللحظات المشؤومة التي تغلغلتْ في قاع نفسي، كنتُ أبأس مخلوق على وجه الأرض، وأنا أتخيّل مجدداً بأنني سأخسركِ بعد أن ظفرتُ بكِ، خسارتي لك كانت تعادل خسارتي للحياة برمتها.

لم أكن أتخيّل بأنني سأكون قادراً على مدّ خطوة واحدة في دروب الحياة دونكِ، لكن دفقات الحياة بدأت تتصاعد إلى عروقي عندما صدح صوتُكِ الشجي في مَسمَعي كما لو أن بلبلاً يُغرّد فيتحوّل تغريده في أذنّي إلى كلمات: بل أنا أحببتكَ كل الحب يا حبيبي، وليس من مخلوقٍ بوسعه أن يحيدني عن قراري، أنا لك وأنت لي يا سيامند، أنا عالمك كله، وأنت عالمي كله.

عندها فقط بدأتُ أنظر إلى خلابة الطبيعة بعين العاشق، أكتشف للتو قيمة اللحظات الثمينة التي أقضيها معك، ونحن نسترخي في صعيد الجبل.
كل ما في الطبيعة بدا سحرياً في ناظِرَي، دبّتْ في بدني لياقةُ حياةٍ لم يكن لي بها عهد من قبل.

من رواية سِيامَند وخَجْيْ للكاتب عبد الباقي يوسف

شاهد الفيديو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق