الرأي

الحل الديمقراطي للقضية الوطنية الكردية

بقلم: أحمد شيخو

كيف يمكننا حل القضايا الوطنية العالقة ومنها القضية الكردية التي نتجت عن تدخل قوى الهيمنة الخارجية في المنطقة وإنشائها الدول ونماذج الحكم والسلطات وتفتيت المنطقة حسب مصالحها دون مصالح شعوب ومجتمعات المنطقة أقلها في القرنيين الأخريين؟
ماهو الحل الديمقراطي للقضية الكردية والقضايا الوطنية الذي يعزز قوة المنطقة و تماسك شعوبها ويحقق الإنتماء للبلد ويحافظ على استقراره ووحدته وسيادته وتكامله؟

هل الحقوق الفردية والثقافية وكذلك سلك دروب الدولتية القومية تعتبر حل للقضية الكردية أم أنها تسويف ومقاربة ليبرالية خدمةً للهيمنة العالمية وتوابعها الإقليمية مقابل إبعاد أو تحجيم أو القضاء على القوى المجتمعية الديمقراطية للكرد و لمجتمعات وشعوب المنطقة وحلولها الديمقراطية إن أمكن؟

ماهو المقترح المطروح من قبل المجتمع الكردستاني وبكافة تكويناته ضمن منظومة المجتمع الكردستاني لحل القضية الكردية كطريق لتحقيق التحول الديمقراطي وإنجاز الديمقراطية وحل القضايا الوطنية في البلدان الأربعة التي تم تقسيم الكرد وكردستان عليها والمنطقة بشكل عام ؟

إن الذاتانية الجوهرية أو بمعنى أخر الكيان الذاتي بأبعاده الاجتماعية والسياسية والدفاعية والاقتصادية والحقوقية والثقافية للمجتمع الكردستاني باسم منظومة المجتمع الكردستانيKCK و الذي يجسد التعبير عن مقترح الأمة الديمقراطية وممارستها كنموذج حلّ مطهّر بفعالية كبيرة ومنقّاة ومعرّاة من الدولتية القومية وذهنيتها الأحادية وسلوكياتها القمعية والنهبية. والذي يسري على جميع المجموعات الأثنية والقومية والدينية المعنية بالقضية الكردية وليس الكرد فقط، أي المعني بالقضايا الوطنية المبنية على القضية الكردية.

هذا الحل الجديد المتجاوز للقوموية والدولة القومية (بصفتهم الدين الجديد والمؤسسة التابعة لحداثة النظام العالمي الذين يتصبغون بالفاشية في مراحل تركز أزمة الراسمالية العالمية) هو الذي يمكن أن يكون البديل المجتمعي الديمقراطي للحلول الدولتية القومية المفروضة من خارج إرادة شعوب المنطقة ومصالحها وقيمها وثقافتها التكاملية. فالحلول الدولتية القومية المفروضة خلال مراحل القضايا الوطنية العالقة على مدار تاريخ حداثة النظام العالمي المهيمن الرأسمالية على أنها طريق الحل الوحيد، قد حوّلت التاريخ إلى حمّامات دم وحملات إبادة وتطهير عرقي والجغرافية إلى التفتيت والدويلات القوموية والتغيير الديموغرافي.

بمعنى آخر، فالحلول الدولتية القومية ليست سبيلاً لحل القضايا الوطنية. بل هي طريق لتجذيرها ومضاعفة حدّتها، وزيادة المعاناة ولتصعيد الحرب، وبالتالي لتحقيق الربح الأعظمي والصناعوية التي لا تحترم الطبيعة والبيئة ولتأمين ديمومتهما وخدمة السلطويين وهيمنة النظام العالمي ونهبها.

بينما يجد منظومة المجتمع الكردستاني KCK أنّ الطريق إلى استتباب السلام والاستقرار والأمن وتمكين الحل الديمقراطي يمرّ من التخلي عن تلك الركائز الثلاثية لحداثة النظام العالمي الرأسمالية (الدولة القومية، الربح الأعظم، والصناعوية)، ومن تصيير مقومات العصرانية الديمقراطية بديلاً لها (الأمة الديمقراطية، اقتصاد السوق المجتمعيّ الخالي من الربح، والصناعة الأيكولوجية).

إنّ صياغة وإيجاد حل القضية الكردية بالمقاربات السلمية والسياسية مع الدولة القومية التركية أولاً، ومع الدول القومية الإيرانية والعراقية والسورية ثانياً، بل وحتى مع شبه الدويلة الفيدرالية الكردية أيضاً؛ أمر غير وارد إلا باعترافها بحق الشعب الكردي في أن يكون أمةً ديمقراطية (ويسري هذا الحقّ على الشعوب الأخرى أيضاً)، وبقبولها بحالة الإدارة الذاتية الديمقراطيّة كثمرة طبيعية لهذا الحق.

إن قيام الاتحاد الأوروبيّ، الذي هو موطن ومنشأ الحلول الدولتية القومية ومصدرها للمنطقة والشرق الأوسط، بفتح الأبواب أمام حل الأمة الديمقراطية منذ سنوات، يعدّ خطوةً إيجابيةً واعدة وكانت ضرورية. ولكي يرسي دعائم هذا الحلّ، يتعين عليه تحجيم حيز الدولتية القومية وتوسيع آفاق المجتمع المدني الديمقراطي تدريجياً. ولئن كانت الدول القومية التركية والإيرانية والعراقية والسورية تودّ فعلاً التخلص من القضية الكردية، فعليها بولوج درب مماثلة للدرب التي سلكها الاتحاد الأوروبيّ والبدء بالتحول الديمقراطي وفتح حيز أكبر للمجتمعات والشعوب للعمل والتعبير بمختلف أشكاله مقابل تحجيم وتضيق الحيز السلطوي والدولتي المتدخل في الحياة أو على الأقل اعتراف كل منهما بالآخر وحقه في الحياة والممارسة.

نعتقد أن تموقع الشعب الكردي الحر (بقيادة حزب العمال الكردستانيPKK ومنظومة المجتمع الكردستاني(KCK الفلسفي والأخلاقي المجتمعي والسياسي والعلاقاتي والديمقراطي يساعد على الحل السلمي والسياسي والديمقراطي تأسيساً على ذلك.

مع التأكيد أن الحجر الذي يتعثر به الحلّ السلميّ والسياسيّ، فهو مشروع الإبادة الثقافية أو التطهير الثقافي المستور، الذي تسلطه تلك الدول الأربعة على الكرد، وسياساته وممارساته. وعليه، سيفتح الطريق أمام السلام المستدام والحل السياسي الراسخ في حال تخليهم عن ذلك، وقبولهم بإرفاق مرتكزات العصرانية الديمقراطية (الأمة الديمقراطية، واقتصاد السوق المجتمعي الهادف إلى تحجيم الربح، والصناعة الأيكولوجية) بالنظام القائم في تلك الدول، وتضمينها بقانون (الدستور الديمقراطيّ) الذي لابد منه.
تدور المساعي لاتباع اتجاهين اثنين في تطبيق الحل الذي فرضته الهيمنة الرأسمالية العالمية على الدول القومية الساهرة على تطبيق التطهير الثقافي والإبادة ضمن إطار “مشروع الشرق الأوسط الكبير”.

1_الاتجاه الأول هو كيان الدويلة القومية الفيدرالية الكردية ومركزه هولير (أربيل)، والذي يطبّق كأول خطوة للحل على درب الدولتية القومية طويلة المدى.

2_الاتجاه الثاني هو حلّ القضية الكردية بناءً على “الحقوق الفردية والثقافية” ومركزه آمد(ديار بكر). هذا المشروع الذي تسعى أمريكا والاتحاد الأوروبيّ إلى إرساء دعائمه، كما سعوا سابقاً عبر حكومة AKP بصورة خاصة وفشلوا، إنما تبذل الجهود لتنفيذه بتعاون متكامل مباشر أو غير مباشر مع شبه الدويلة الكردية الفيدرالية التي مركزها أربيل.

يتم فرض طريق الخلاص ذو الاتجاهين هذا على الدول القومية الساهرة على الإبادة الثقافية، مقابل التخلص من قوة المجتمع الأساسية والرائدة والمعبرة عن حقيقته وإرادته ومصالحه والمدافعة عن وجوده وكرامته وحريته مثل حزب العمال الكردستاني PKK والقضاء عليه وعلى حل السياسة الديمقراطية متجسداً في KCK. لكنّ فرصة نجاح مشروع الحل هذا متدنية.

إذ تفرضه الهيمنة الرأسمالية العالمية لافتقارها إلى المؤازرة الشعبية المجتمعية اللازمة ولرؤية الشعوب للفشل الواضح لهذين الإتجاهين ولتمسكهم بقواهم المجتمعية الديمقراطية .

لقد تحولت كردستان في أحد معانيها منذ الآن إلى بؤرة الثورة والثورة المضادة في القرن الحادي والعشرين. فهي بمثابة الحلقة الأوهن للنظام العالمي. وقد تفاقمت قضايا الشعب الكردستاني الوطنية والاجتماعية إلى درجة يستحيل فيها طمسها بالوصفات الليبرالية أو حجبها بديماغوجية الحقوق الفردية والثقافية.

عندما تكون القضية الكردية موضوع الحديث، فإنّ الدولتية القومية، التي تسفر عن ممارسات تصل حدّ الإبادة الثقافية، قد أمست منذ زمن بعيد مصدراً منتجاً للقضايا الإشكالية بدلاً من حلها؛ سواء على صعيد الأمم الساحقة أو المسحوقة.

لذا، أصبحت الدولة القومية تعاني التخلخل والتحلّل، بعدما غدت إشكاليةً عضالاً حتى بالنسبة إلى النظام العالمي المهيمن. في حين تتصدر التحول الديمقراطي و التطورات الوطنية الديمقراطية الأكثر مرونة لائحة التطورات المعاصرة الواعدة بالحل.

والعصرانية الديمقراطية تعبير نظريّ وتطبيق عمليّ للتطورات السائرة في هذا المنحى. أما منظومة المجتمع الكردستاني KCK بصفته التعبير الملموس للتحولات الوطنية الديمقراطية في كردستان وللتحول الديمقراطي في دول المنطقة إذا تم ضمها للدستور الديمقراطي، فينير درب حل العصرانية الديمقراطية في المنطقة والشرق الأوسط.

يقف المجتمع الكردستاني وبمنظومته السياسية والإجتماعية والدفاعية والثقافية في يومنا الحالي على مفترق طرق.

فإما أن يتحقق حلّ القضايا بتكريس السلام والسياسة الديمقراطية والاستقرار عبر “الدستور الديمقراطيّ”. وفي هذه الحالة لن تقتصر الدول القومية المعنية على التخلي عن سياساتها في الإنكار والإبادة والتطهير العرقي، بل وستعترف بالتعريف الواقعي للقضية الكردية، وستبحث في حله وفق “الدستور الديمقراطي العالميّ”، وستتداول مضمون الدستور الديمقراطي وأسلوبه مع الجهات المعنية. وهذا الحلّ الذي سيحافظ ويصون و يمّكن من وحدة البلاد دولةً وأمةً، يقتضي التحولات الديمقراطية الراديكالية والعميقة.

وإلا، وفي حال الإصرار على عرقلة هذا الطريق المرغوب بأولوية متقدمة، فإنّ ما سيتبقى هو سبيل قيام المجتمع الكردستاني ومنظومته بإنشاء وحماية اقتداره المجتمعي الديمقراطي بنحو ثوريّ أحادي الجانب. ويحتوي هذا الطريق على الكثير من العوامل المؤدية إلى المضي فيه بنجاح. ذلك أنّ الدليل الأيديولوجيّ والسياسيّ لقيادة المجتمع الكردستاني كحزب العمال الكردستاني، الذي يتحلى بخبرة تناهز الخمسين عاماً إضافة غلى التراكم التاريخي النضالي الكردي، وكذلك نصرة الشعب القوية له والممزوجة بالحرب الدفاعية الشعبية، وقوته العسكرية HPG) و YJA_STAR )التي تؤهله لممارسة الدفاع الذاتي المشروع في جميع المجالات، وشبكة دبلوماسيته وعلاقاته الداخلية والخارجية الفسيحة؛ كلّ ذلك يتيح المجال أمام منظومة المجتمع الكردستاني كي ينشئ الأمة الديمقراطية، ويوجهها، ويدافع عنها. ولن يتعرض هذا الطريق مرةً أخرى للانسداد الذي عانى منه سابقاً.

ونظراً لكونه يطمح إلى الأمة الديمقراطية، لا إلى قوموية الدولة أو دينوية الدولة؛ فإنه منفتح على الحوار والتفاوض مع قوى الدولة القومية بصفته مناصراً دائماً للحل وترسيخ السلام والاستقرار الأمن. وفي حال فشله على هذا الصعيد، فسيتحصن بقواه الذاتية في السير قدماً على دربه الأصلية، وسيواصل إنشاء الأمة الديمقراطية، وتوجيهها، وحمايتها بنجاح موفق مهما كانت الظروف والتحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق