شؤون ثقافية

رحيل ” سيرة ذاتية “..

رحيل ” سيرة ذاتية “..
عبر اسلوبية مليئة بالتشويق والإثارة المحفزة لذهن القارئ،
خطت الكاتبة المصرية”جيني حسين علي” منجزها الأدبي الثالث،
معنونة إياه بـ ” رحيل ” سيرة ذاتية .
،
ينظر كثير من المتخصصين في عالم الأدب إلى السيرة الذاتيّة، على أنها أحد الأنواع الأدبيّة، التي تتميزُ بسرد الأحداث الشخصية والخبرات التي مرَّ بها الشخص، حيث يعمد كاتبها على انتقاء الأحداث الحقيقيّة التي مرّت في الماضي ، وترتيبها بأسلوب أدبي خياليّ، قصصيّ روائيّ، ومن ثم عرضها بصورة شيّقة وفنيّة، دون تزييف أو إرباك في محاولة خلط للحقائق .
و يرى بعضهم أن أصول كتابة السيرة الذاتية، ترجع إلى كتاب الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الصادر بعنوان اعترافات”، الذي لاقى قدراً كبيراً من النجاح في العالم، لمساهمته في تحريك مشاعر القرّاء نحو المكاشفة ومحاسبة النّفس،
كما و تنقل لنا بعض المصادر والدراسات الأدبية ، أنّ فن السيرة الذاتية بشكل عام ، الذي هو مزيج يقوم على الحقيقة والخيال ، توطد في حاضرة العرب على يد مبدعين وأدباء كثيرين، كالكاتب “أحمد فارس الشدياق وسواه ، لكن اعتبر رائدها بامتياز عميد الأدب ” طه حسين ، حين وضع لنا كتابه المشهور ” الأيام“ .
وبلا شك ، تعتبر كتب السير الذاتية من الأعمال الأكثر جاذبية وتشويقا للقارئ، وذلك للإعتقاد المسبق لدى القارئ ، أن ما سيقرأه من أحداث ومشاهد هي أمور حقيقيّة واقعية ، وليست ضروباً من وحي خيال المؤلف المحض بالضرورة ، كما هو الحال بالنسبة لفن الرواية والقص الحكائي أو ما إلى ذلك..
ولعل تلك الجاذبية والغموض هي من دفعت الكاتبة الشابة “جيني” إلى المضي قدما في هذا الطريق من الإبداع ، وتصديره لنا عبر هذه الإنجاز الرهيف ، الذي يُعتبر بحق اثراء معرفي، غني و إضافة أدبية فكرية جديدة ومدهشة للمكتبة الأدبية العربية بعامة..
اعلنت الكاتبة “جيني ” من خلالها عن وجودها، كصوت أدبي انثوي مثقف رهيف الحس، عميق الغور، مفعم بالتنور المعرفي، والفرادة العقلانية من حيث الفكرة والمعالجة النصية المدهشة ، التي ترفل بكمٍ هائلٍ من جمال العرض، و حسن التناول والتقسيم، و عذوبة العبارة ، وجودة سبك الحوارات ، وزج التعليقات المقتضبة ، التي لم تخلو من لبوس العفوية المصرية الجميلة ، والطرافة اللغوية المفعمة بالصدق والدقة ..
بالطبع، لن تستمر دهشتنا طويلاً من فرادة هذا العمل الأدبي الفني لابنة مصر ” جيني “، بخاصةً، إذا ما علمنا انّ المصريين القدماء ، كانوا فعلاً اول من خطّو على بعض بُردياتهم شذرات مُطوّلة من السير الذاتية المدهشة، كما حدّثنا المؤرخ العظيم ” ولْ ديورانت .
يمكن القول أن كتاب “رحيل” هو سيرة ذاتية، تنتمي الى دنى العوالم الوجودية، تنوس بين السرد التأريخي للأحداث والقص الحكائي اليومي، الفياض بكل غرائبيات الخيال المفاجئة و التصورات المُمكنة لعبارات الأجوبة .
عملت فيه المبدعة “جيني “ على صنعة تداخل الحدث الواقعي مع المتخيل أثناء السرد، فأعادت الى الاذهان الاشكالية التعريفية لهذا الصنف من الانجاز الادبي، اذ كثيرا ما يَحارُ القارئ أثناء إبحاره في جزأي هذه السيرة، متسائلاً : هل هو أمام رواية أم سيرة ذاتية أم ..الخ ؟!
رغم أن بطلة النص “رحيل” تؤكد لنا بين السطور بوضوح، على أن هذه السيرة الذاتية ما هي إلا رواية متعددة الرواة، لرؤىً الفرد الشخصية لحياته، (ناجي – رحيل ) كلٍّ بحسب وعيه وادراكه الشخصي بها.
ولهذا لم تتردد كاتبة النص، في أن تهديها إلى كل روح حائرة في هذا الكون الفسيح . الذي عملت هي على هندسة أحداثه ، بإضافات مشوقة، و حيرة مُبتكرة، تضيف الى أفهامنا اليابسة مزناً ثقلى برهافة الفحوى، وعمق الحصافة في اسلوبية السرد ، الذي جعلت الكاتبة له أساسا متيناً من الوحدة والاتساق، و وظفته مكاناً لازماً ضمن البناء العام للمواقف والاحداث، بما يوافق الروح العامة للنص ككل.
سيرة “رحيل” هي ( أنا ) سردية لروح عجائبية، تبثّ ذبذبات مُؤنسة لحياة ومشاعر انسانية لا تنقطع عن التجريب، (أنا ) تجعل روح القارئ تشعر وكأنها هي المقصودة بحال الحدث واشكالية الموقف، بل و إيهامه في لحظات كثيرة، بأن العبارات المُقالة تتحدث عنه هو بالذات ، و أن أحداثها تتكلم بلسان حاله هو ، أي أنها (أنا ) تكتب نصوص افكاره وتجاربه هو عينه ، لكأنها روح تعيش به ، في كلّ تحريكة وتسكينة ، وفي كل سلوك صواب أو هفوة .
بمعنى أنّها (أنا) تقدم إدراكا مقنعاً لسيرة واقعية لأناس قد نقابلهم في خضم الحياة بكل يسر وسهولة .. مما يجعلنا نصل إلى نتيجة مؤداها، إلى أن ذاكرة “رحيل” وأحاديثها النفسية، تكاد تحضرنا دائماً ، في كلّ أنٍ ومكانٍ وحدثْ ..
سيرة “رحيل” هي ترجمة ذاتية لمدارك الكاتبة جيني ، قدمتها بأسلوب لغوي فني باهر ، عبر صياغات وصور نثرية مترابطة فصيحة بمجملها، رغم إلحاحها الشديد على استخدام العبارات غير القليلة من العامية المصرية ، التي أراها نوعاً من إصرار الكاتبة على الاقتراب من الواقع، و رغبةً في التبسيط و مدّ جسور الألفة والمودة مع خاطر القارئ العادي ..
على الرغم أنها أتخمت حوارات شخصوها بالرموز والاشارات، وفتحت مع كل نهاية كل مشهد، أو جملة وعبارة باباً واسعاً مفتوحا للتساؤل ، يطل على براح رحيب من الدلالات والمعاني الخفية، التي لطالما أرادت الكاتبة إيصالها لفهم القارئ، دون الوقوع في فخ التصريح الساذج أو فجاجة المباشرة الباهتة أو التصادم مع الأفهام المختلفة للقرّاء.
يمكن القول أن هذه السيرة الذاتية لـ رحيل، تمظهرت على هيئة نبش مُتقن، في ذاكرة مرهقة بالأسئلة الكبرى ، ومتخمة بأحداث الصدف غير المفهومة، وتغص بمشاعر لنفوس ملأى بالخطوب الغرائبية، الملازمة لوجود الشخصيات المتعددة، وظروف تفاعلها مع الواقع المعيش…
كرقص الفراشات اللعوب استطاعت أن تنتقل بنا الكاتبة “جيني “ من ضوء حدث الى أخر ، غير آبهةٍ بما يحصل لنا من دهشات متلاحقة، أو خيبات متسابقة، جرّاء توارد خواطرها الغريبة، حيث تمضي بنا عبر نثر استعادي عفوي رهيف ، تترصف أحداثه المتوالية بتماسك صارم ، واتزان مصقول كحبات العقد النفيس. ان تنقل لنا المحتوى الوافي عن أحوال الشخوص النفسية لأبطال النص، رغم تعدد المواقف للشخصيات وتعقيدها، و تنازع وجهات النظر فيما بينهم ، وصدمات النهايات غير المنتظرة.
ثم بعفوية لطيفة وجمل لغوية شفيفة، محملة بسلاسة العبارة وظرافة اللفظ المصري البسيط تجعلنا ننصت إلى حديث الخاطر للعاشق الرهيف للأرستقراطي ناجي في الجزء الأول ، ثم إلى حديث المعشوقة المختلفة عن أقرانها من الإناث قاطبة ، والمفعمة بعشق الحياة والحلم وحب المعرفة الطفلة الناضجة ” رحيل.
اللافت أنها – أي الكاتبة جيني – لا تضع لنا حدثا تمهيديا معيناً لتوقعاتنا حول ما سيأتي، ولا تمنحنا حوارا، أو سردا مساعدا، لتخفف الصدمة عن كاهل خواطرنا المتحفزة والمشدودة، بكم كثير من النهايات غير المتوقعة ، نهايات متجددة ، تختبئ عند كل ناصية حوار ، وخلف خاتمة كل مشهد وإجابة .
فحب ذاك النبيل الرصين “ناجي “ لم ينقصه سوى نهاية رومانسية، و التساؤلات القلقة لـ رحيل وتشككاتها التي لا تنتهي ، فيما تحيا وتسمع وتعتقد ، لم ينقصها سوى الاسهاب أكثر في الحوارات ، والتي لم تستطع في تقديري أن تروي شغف القارئ من انتظار الاجابة الفكرية الأفضل ..
قصارى القول :
سيرة “رحيل هي في تقديري اكثر من مجرد نص أدبي، يحمل بين ثناياه قيما جمالية، وأعمق من دعوة ذهنية القارئ، لعدم التسرّع في الاستنتاج والحكم، بل هو نجوى الكاتبة الداعية للاستعداد للغوص معها، في رحاب الأسئلة الملحة الكبرى، وتأمل الإشكاليات النفسية الوجودية والاجتماعية المزمنة في وجداننا الشرقي المضطرب
و لعل جوهر المقول في كتاب “رحيل يكمن في صدق تمثيل تناقضات الانفعالات النفس الانسانية، التي تحمل في جوهرها معاناة وعي مختلف ، سعت “جيني” باقتدار عبر هذه السطور القليلة، من جعله يتوقف عن أن يكون إنفعالاً غير معقول أو مدرك ، وذلك حين كوّنت لنا صورة واضحة ودقيقة عنه ، وحين تمكنت ببراعة أدبية ، و عبر الحوارات ذات الصنعة والتعليقات المقتضبة على مجمل الأحداث ، من رسم خوالج انسانيتنا المتمردة بدقة، ووصف لواعج نفوسنا المتناقضة بشدة.
الأمر الذي لربما يوصلنا إلى الاعتقاد أن هذا الوجود الانساني العجيب برمته ، ليس كما يبدو صراعا بين من يمتلك الصواب وبين الخطأ ، بل الجميع لديه الحق والوجود في خضم هذا الصراع الوجودي اللانهائي
للحق ، لقد اهدتنا “ جيني ” من خلال سيرتها مزنا معرفية جمّة ، وفتحت اعيننا على ثقافة مشرقية اصيلة كالثقافة الهندوسية .. واثارت في افهامنا جياد الفضول المتوثبة ترقبا وحيرة عما ستقذف به إلينا
امواجها النفسية العميقة المضطربة القادمة من مفاجآت الجزء الثالث من هذه المذكرات الشيقة.
لذا توجب علينا جميعا كعقلاء ، تلبية دعوة نبوءة أمانيها حين تعلن لنا الكاتبة البارعة “جيني ” بوضوح بأنه :
” حان الوقت أن يصنع أحدهم كونا ، يهزّ النجوم ويحرك السماوات . وإذا كان عطر الحب يسرقنا للفرح ، ويحيط بكل شيء، سأكون أنا من يرقص في فلكه
*زكريا كردي – امستردام 2021

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق