الرأي

مسارات الحلول الديمقراطية للمنطقة…نضال الحرية ضد الفاشية التركية نموذجاً

بقلم: أحمد شيخو

 

الكرد هم أكبر شعب بلا دولة قومية في العالم. وقد تكاثفوا على مدار التاريخ ضمن منطقة استراتيجية في عصور النيوليتيك والمدنية على حواف سلاسل جبال زاغروس وطوروس. كما حافظ الكرد على وجودهم كشعب عريق حتى يومنا الراهن، بفضل اتّخاذهم المفهوم الدفاعيّ المعتمد على الجبال وثقافة التّغذّي على الزراعة وتربية الحيوان أساساً.

منذ  حوالي 12 ألف سنة وحتى قدوم أسلاف الترك من أواسط أسيا من موطنهم في جبال أورال آلتاي قرب الصين في القرن الثامن عشر وبكثرة في القرن الحادي عشر  وتمكنهم بمساعدة الكرد في التوطين في الأناضول على أثر المعركة التي خاضها الكرد والترك معركة ملازكرد  1071م،  لم يشعر الكرد حتى تلك الأوقات مع شعوب المنطقة الأصيلة بأي خطر على إداراتها العشائرية المحلية و المجتمعية الذاتية والعيش بخصوصياتها ، ولكن مع تعاظم واشتداد وكبر قوة القبائل التركية وتزايد اعدادها التي تصارعت زمناً فيما بينها, ملتحفة بالدين الإسلام بغرض كسب الشرعية الدينية لسلوكياتها النافرة والبعيدة عن ثقافة المنطقة وشعوبها،  ومع رغباتها في النفوذ والحكم والسيطرة شعر الشعب الكردي ومعها الشعوب الاصيلة مثل الأرمن والسريان الأشوريين والعرب والفرس وغيرهم بالخطر يحدق بها، لكن بسبب بعض الاتفاقيات والتعهدات بين الشعوب والأتراك وأسلافهم وإمتلاك الشعوب لوسائل الدفاع والحماية الذاتية تم جريان الحياة والتاريخ والعيش بشكل هدنة وربما إتفاق وأحياناً حروب في فترات عديدة إستطاعت الشعوب الحفاظ على كينونتها وكياناتها الذاتية ضمن المظلة الإسلامية الواسعة.

مع الصراع العثماني والصفوي وحروب السلطة والهيمنة على المنطقة وشعوبها فيما بينهم  و من ثم الإتفاقات من إتفاقية قصر شيرين عام 1639 وصولاً لمعاهدة أرضروم الثانية 1847 وتقسيم المنطقة الجغرافية القديمة من الخليج العربي مرورا بكردستان وصولا للبحر الأبيض المتوسط بدأ إشارات الخطر تلوح في الأفق على الموروث الحضاري والثقافي للمنطقة وخاصة العربية والكردية والشعوب الأخرى والقيم المجتمعية الأخلاقية للمنطقة وشعوبها.

لكن المصيبة الكبرى كانت مع التدخل الغربي وبخاصة  التدخل الألماني في الجيش العثماني حوالي  عام1830 م وذلك بغرض إصلاح الجيش العثماني على أثر إتفاق بين الألمان والعثمانيين وقدوم ضباط ومستشاريين ألمان وكان هنا النقلة النوعية و الطامة الكبرى حيث كان الإصلاح بتطبيق المركزية الشديدة والتخلص من اللامركزية في إدارة الجيش وكافة قطاعات الحياة حسب الإستشارة الألمانية، تلك اللامركزية التي هي من قيم المنطقة والتي عبرها أستطاعت مختلف الخصوصيات والثقافات العيش بشكل مسالم وتوفقي مع الأخرين وحتى العثمانية وغيرها  الإمبراطوريات والدول والإحتلالات من إدارة المنطقة أو تحقيق دوام واستمرارية لهم.

وفي القرن التاسع عشر  وحتى العشرين وصلت الخطورة لمراحل شديدة وماكان يعتبر من المخاوف سابقا أصبح واقعاً ملموساً وحالة للإبادة وتم تقسيم الكرد وموطنهم التاريخي كردستان بين أربع دول قومية مصطنعة وتم تقسيم المنطقة العربية وشعوبها ل22 دولة قومية وتم تنفيذ إبادات جماعية بوكالات محلية من بعض القوى والتيارات القومية العنصرية الشوفينية التركية مثلاً وبفكر قوموي أوربي أوجدته البرجوازية والمفكريين اليهود لرصف أرضية الثورات والتحركات الفكرية في أوربا بالتعاون مع الإنكليز حينها لتحقيق مأربهم وهيمناتهم .

وصل الشعب الكردي إلى يومنا الحاليّ بعدم التّزعزع أو التّزحزح من أماكنهم البتة، ودون التطلع إلى أية قمّة اجتماعية إطلاقا، بل وحتى بإبدائهم قدرة الصبر على البقاء في الأسفل (في المرتبة الثانية).  وذلك على النقيض من اليهود المتبعثرين في أصقاع المعمورة الذين انتقلوا بوجودهم إلى راهننا بالتّسلّل إلى نقاط القمة في المجتمعات في كلّ زوايا العالم،  أي، ثمة مفارقة بكلّ معنى الكلمة فيما بينهما.

تنبع القضية الوطنية الكردية من عامل نادر جدا ما يصادف، ألا وهو حظره من التحوّل إلى أمة. فالقوى المسيطرة عليهم طيلة التاريخ وفي راهننا مع امتداداتها الداخلية، لم تترك أسلوباً إلا وجرّبته في سبيل عدم خروج الكرد من كونهم موضوعاً شيئياً وعدم تحوّلهم إلى ذات فاعلة. ربما ساهمت كينونة الدولة في ظهور بعض التطورات الوطنية، سلباً كان أم إيجاباً. ولكن، نادراً جداً ما تواجدت فرصة كهذه بالنسبة للكرد.

بالتالي، فهو يمتاز بكونه شعباً نادراً ما عاش أو تبنى المدنية الطبقية والدولتية والسلطوية. وهذا امتياز بالغ الأهمية من حيث فرصة التحول الديمقراطي و البدائل الديمقراطية للمنطقة والعالم وإمكانية تقديمها كالأمة الديمقراطية وكونفدرالية الأمم الديمقراطية في المنطقة وبشكل أوسع العصرانية الديمقراطية وكونهم أي الكرد يمتلكون طاقة كامنة للديمقراطية والتحول الإيجابي في المنطقة ودولها. وكونهم يقطنون مركز جغرافية الشرق الأوسط والمنطقة، إنما يضاعف من أهميتهم. إنّ قوى هيمنة الدولة القومية والقوموية، والتي فرضت على المنطقة من الخارج في عهد النظام العالمي المهيمن أي الحداثة الرأسمالية، قامت بكلّ ما ملكت من قوة بمحاولات صهر الكرد في بوتقتها عن طريق الإبادة الثقافية وأحياناً الجسدية. هذا ودارت المساعي لشرعنة السياسات نفسها في عهد المدنية الإسلامية أيضاً بوساطة الدين.

لا يملك الكرد فرصة التحولّ إلى مجتمع وطنيّ بقوة السلطة– الدولة بشكل كبير. وما ستقدّمه عناصر حداثة النظام العالمي الرأسمالية والفكر القوموي في هذا المضمار محدودة للغاية. إذ لا يمكن تسمية الكيان السياسيّ القائم حاليا في كردستان العراق بالدولة القومية بمعنى الكلمة. لذا، من الأنسب نعته بشبه دولة قومية، وسلطتها وبنية الحكم فيها  وعلاقتها المتوطئة مع دولة الاحتلال التركية الفاشية عدوة الكرد الأول، أصبحت بحد ذاتها بلاءً على النضال الديمقراطي والمجتمعي الكردي مع شعوب المنطقة للوصول إلى الحرية والديمقراطية، ووجود حوالي 70 نقطة وموقع وقاعدة للجيش التركي في إقليم كردستان العراق وتبعية مايسمى المجلس الوطني الكردي المحسوب على طرف كردي معين في سوريا لتركيا يوضح ذلك.

ظلّت جغرافيا كردستان، وخاصة في الماضي القريب، بمثابة الوطن الأمّ للعديد من الشعوب الأخرى، وعلى رأسها الأرمن والسّريان، ولو أنهم بأعداد أقل من الكرد. كما واستقرّ فيها عدد جمّ من امتدادات المجتمعات الأخرى، مثلما هي حال العرب والفرس والأتراك وغيرهم. هذا ويحيا الكرد تعددية على الصعيد الدينيّ والمذهبيّ. ولا تزال آثار الثقافات العشائرية والقبليّة وطيدة في المجتمع الكرديّ، بينما ثقافة المدينة غير متقدمة كثيراً. كلّ هذه الخصائص تتيح فرصة عظيمة للكيانات السياسية الديمقراطية في جغرافيا كردستان. كما إنها نموذجية لتأسيس الاتحادات التشاركية الديمقرايطة  والوحدات المجتمعية التي هي ضرورة اضطرارية في ميدان الزراعة– الماء– الطاقة. هذا وظروف نماء المجتمع الأخلاقيّ والسياسيّ أي الديمقراطي أيضا مساعدة إلى أبعد حد.

علاوة على  أن كردستان هي الجغرافيا التي شهدت ثقافة الإلهة الأمّ أولا وبأقوى أشكالها. كما وهي مهد ثقافة الإلهة– الأمّ القادرة على الانتشار في كافة أرجاء الشرق الأوسط والعالم أجمع باسم ستار وعشتار وإينانا. ولا زالت المرأة تتسم بطاقتها الكامنة التي تمكّنها من تقديم أكثر أمثلة الحياة جرأة ومقاومة وكرامة وعزّة وديمقراطية، بالرغم من جميع محاولات الإفناء المسلّطة عليها. ورغم كلّ الجهود المبذولة، إلا أنّ أيديولوجية المجتمع الجنسويّ لم تتمأسس بقدر ما هي عليه في المجتمعات المجاورة. هذه المزايا الثقافية الغنية المعاشة جميعها بنحو متداخل، تحتوي بين طواياها طاقة كامنة هائلة من أجل بناء المجتمع الديمقراطيّ، الذي هو معيار أساسيّ لحرية المرأة ومساواتها (ضمن الاختلاف). وبالتالي، فهذه الجغرافيا تعرض أكثر الظروف ملاءمة لصيرورة الأمة الديمقراطية والمجتمع الأيكولوجيّ– الاقتصاديّ في ظلّ براديغما ورؤية ومشروع العصرانية الديمقراطية. ولعل ماحققته المرأة الكردية أو التي تدربت بفكر الأمة الديمقراطية في السنوات الأخيرة ومستواها السياسي والعسكري والمدني والإداري مؤشر على ذلك.

وعليه فمشروع “كونفدرالية كردستان الديمقراطية” يتميز بفرصة التطبيق منذ الآن. في حين أنّ ممارسات الدولة القومية المرتبطة بالهيمنة الرأسمالية وبالنظام العالمي، لا تمتلك فرصة التطور لا اليوم ولا غداً، مثلما كانت أمس أيضاً؛ نظراً للسلبيات التي تحملها بين طياتها بالنسبة للمجتمع. ولايمكنها أن تحظى بفرصة محدودة إلا بالتحول الديمقراطيّ.

تطوير كردستان ككونفدرالية ديمقراطية مؤلّفة من التشاركيات والوحدات المجتمعية والإتحادات الاقتصادية والأيكولوجية أو الكومينات بشكل عام عبر الكيانات السياسية الديمقراطية العاملة أساساً بجميع خصائصها المذكورة آنفاً، إنما يتميز بأهمية تاريخية. وبناء الأمة الديمقراطية المرتكزة إلى الهويات الوطنية المتعددة، هو حلّ مثاليّ تجاه عقم الدولة القومية. وقد يكون نموذج حلّ لأجل كافة القضايا الوطنية وقضايا التكوينات المجتمعية في الشرق الأوسط والمنطقة. أما جذب أمم الجوار إلى هذا النموذج، فسيغيّر مصير الشرق الأوسط، وسيعزّز من فرصة العصرانية الديمقراطية في تكوين البديل ودمقرطة المنطقة باكملها وتخليصها من التبعية وجعلها فاعلاً لا مفعولاً في الحياة.

لقد بلغ التاريخ بكردستان والكرد إلى حالة جعل فيها الشعب الكرديّ الذي يناضل في سبيل الحرية والمساواة والديمقراطية والعدل، وكذلك شعوب المنطقة التي تناضل في سبيل الحرية والمساواة والديمقراطية والتنمية مرغمين على توحيد مصيرهم ونضالاتهم.

فنضال الشعب الكردي من أجل حقوقه وحريته هو أحد مسارات البحث عن الحلول الديمقراطية لقضايا المنطقة وبالتالي يبقى المسار الديمقراطي الصحيح والموقف السياسي المعبر عن مصالح شعوب المنطقة هو دعم نضال الشعب الكردي وحريته كونه بجسد ويعبر عن إرادة المنطقة وقيمها وماضيها العريق الجليل وهو في مقاومته وانتصاره على دولة الإبادة والاحتلال تركيا الفاشية، سيعيد للمنطقة وشعوبها الزخم والحضور الحضاري والثقل الوازن والإنسانية والأخلاقية المجتمعية المعبرة ثقافة المنطقة الكلية المحافظة على التنوع والتعدد فيها وبالقضاء على الفاشية التركية سيتم الخلاص من الإرهاب والتطرف في المنطقة والعالم.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق